توجيه القراآت، وأمثلتها من فرشيات سورة النساء

                    علم الفرشيات وتوجيه القراآت، وتطبيقاتها على سورة النساء    

                    

                                        كتابة: أبو عيسى الطاهر زياني

                  

                                                المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، منزل الكتاب المبين، رحمة ونورا وبيانا للعالمين، أنزل كتابه بالحق المبين، ووعد بحفظه من دسائس المندسين، وتحريفات المحرفين، فقال جل وعلا : { إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

فيسر حفظه في الصدور، وسخر صحْب نبيه لكتابته مفرقا في السطور، والرق المنشور، ثم جمعه ليبقى خالدا إلى يوم النشور.

تكلم الله تعالى به كما شاء كيف شاء، بسبعة أحرف من أحرف العرب، تخفيفا على أمته، وتنويعا لمعانيه، وهذا ما أدى إلى ظهور علم التفسير وقواعده، ومن أبرز أنواعه تفسير القرآن بالقرآن الذي ينطوي تحت لوائه علم الفرشيات وتوجيه القراآت، حيث توجه القراءة أو الحرف القرآني، بقراءة أخرى، إما بالمعاني أو المباني.

وقد كان هذا العلم مبثوثا متفرقا في بطون كتب السلف أو مشافهة بين الطلاب في عصر ما قبل التدوين،

كما في قوله تعالى: {حتى يصدر الرعاء} ( القصص: 23)، حيث يوجد قراءتان رئيسيتان:

الأولى {يَــصْدُرَ} » بفتح الياء وضم الدال، من الفعل "صدرَ يصدُر " اللازم، تقول : صدر الراعي، أي رجع.

والثاني {يُصْدِرَ} بضم الياء وكسر الدال، من الفعل: أصدر يُصدر المتعدي، تقول: أصدر الراعي مواشيه.  

وكلاهما صحيح يخدم المعنى المراد في السياق. 

ثم بدأ تدوين هذا العلم في بطون كتب التفسير  مرتبا على حسب تفسير القرآن، وتوجيهه بالنحو، كما يفعل الطبري وعلماء الإعراب.

 ثم ظهر التصنيف المستقل في هذا العلم، ككتاب الحجة للقراآت السبع لأبي علي الفارسي.

والحجة في القراءات السبع للحسين ين خالويه المهذاني...    

ونظرا لأهمية فهم كلام الله تعالى وتوجيه أحرفه التي نزل بها القرآن، فقد أحببت جمع بحث يتعلق بتوجيه أحرف  كلام الله جل في علاه، وكيفية مقارنة بعضها ببعض، وتقويتها لبعض، مستعينا به جل في علاه، مقسما إياه على النحو التالي:          

           المقدمة:

المبحث الأول: التعريف بعلم توجيه القراءات وبيان أقسامها وأهميتها:

المطلب الأول: تعريف علم القراءات:

المطلب الثاني: أقسام القراآت وشروط صحتها:

المطلب الثالث: مفهوم الأحرف السبعة، والفرق بينها وبين قرائها:

المطلب الرابع: مفهوم الفرشيات، وعلم توجيه القراءات، وبيان أقسامه، وأهم قواعدها:

الفرع الأول: مفهوم الفرشيات، وعلم توجيه القراءات :

الفرع الثاني: أقسام علم توجيه القراآت:

الفرع الثالث: أهم قواعد توجيه القراآت:

المطلب الخامس: علاقة علم توجيه القراآت بالعلوم الأخرى:

المطلب السادس: أهمية علم توجيه القراءات وأسباب ظهوره:

المبحث الثاني: أقسام علم توجيه القراءات

القسم الأول: توجيه القراآت بالمعاني، وأنواعها:

المسألة الأولى: توجيه القراءة بغيرها من أحرف أو آي القرآن:

الفرع الأول: توجيه القراءة استنادا إلى المناسبات بينها:

الفرع الثاني: توجيه المعنى بالسياق:

الفرع الثالث: توجيه القراءة استنادا إلى رسم المصحف:

الفرع الرابع: توجيه القراءة استنادا إلى أسباب النزول:

الفرع الخامس: التوجيه الصوتي الترتيلي للقراءة:

المسألة الثانية: توجيه القراءة استناداً إلى الحديث، وهذا من التفسير بالسنة:

المسألة الثالثة: توجيه القراءات استنادا إلى القواعد اللغوية:

الفرع الأول: التوجيه النحوي للقراءة :

الفرع الثاني: التوجيه الصرفي للقراءة:

الفرع الثالث: التوجيه البلاغي للقراءة

القسم الثاني: توجيه القراآت بالمباني والنظائر:

النوع الأول: توجيه القراءة بمثيلاتها المتفرقة من آي القرآن وأحرفه المتواترة:

النوع الثاني: توجيه القراءة استنادًا إلى قراءات آحاد الصحابة:

المبحث الثالث: توجيهات فرشيات سورة النساء مع نظرائها في القرآن الكريم:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المبحث الأول: التعريف بعلم توجيه القراءات وبيان أقسامها وأهميتها:

المطلب الأول: تعريف علم القراءات :

القراءة لغة هي التلاوة والدراسة.

وأما في الاصطلاح: فقد قال الزركشي في البرهان (318) :" واعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان: فالقرآن هو الوحى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتثقيل وغيرهما ".

وقد أطلق على هذا العلم عدة تسميات أخرى: حجة القراآت، وجوه القراآت، معاني القراآت، علل القراآت ...

وعلم القراآت: هو علم يدرس كيفية أداء كلمات وأحرف القرآن وبيان اختلافاتها، معزوا لناقليها.  

وبالتالي فموضوعه: ما صح من كلمات القرآن من حيث أدائها وطريقة النطق بها.

وأما القراآت القرآنية: هي الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن الكريم تيسيرا على الأمة، وزيادة في المعاني، مع النطق بها كما أنزلها الله تعالى على نبيه.  

 

واختلاف القراءات: يشتمل على اختلافهم في الحذف والإثبات والتحريك والتسكين والفصل والوصل، وغير ذلك من هيئات النطق.

المطلب الثاني: أقسام القراآت، وشروط قبولها:  

تنقسم القراءات إلى قسمين: مقبولة وشاذة:

أ. قراءات مقبولة: هي القراءات المتواترة أو المشهورة، الثابتة الصحيحة:

فالمتواترة والمشهورة: هي التي توفرت فيها شروط القبول التي اشترطها الصحابة في جمع القرآن وكتابته في المصحف، ويختلفان في أن المتواترة أكثر شهرة من تاليتها، ومن شروطهما:

. الموافقة للعرضة الأخيرة، التي عرضها جبريل على النبي عليه السلام في آخر رمضان.

. تواتر السند أو صحته.

. موافقة أحد أوجه اللغة العربية إعرابا أو تصريفا ....

. موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا.  

وقد توفرت هذه الشروط في القراءات السبع المتواترة، وكذلك في القراءات الثلاثة المشهورة المكملة للعشر.

ب قراءات شاذة أو مردودة: وهي القراءة التي انخرم منها أحد شروط قبول القراءات الصحيحة من صحة السند أو تواتره، وأحد أوجه اللغة العربية، أو مخالفة رسم المصحف العثماني .

مثل {معائش} توجيهها لغويا، بأن أصلها " معايش"، وهي صيغة منتهى الجموع على وزن " فعائل، مفاعل، مثل فضيلة فضائل، مكيدة مكائد، وعجوز عجائر، أو عجاوز.  

.

المطلب الثالث: مفهوم الأحرف السبعة، والفرق بينها وبين قرائها:

الأحرف السبعة: هي سبع لهجات أو وجوه من لغات العرب الفصيحة التي نزل بها القرآن لتيسير الحفظ والقراءة وتكثير المباني والمعاني.  

وأما القراء فهم أشخاص ثقات نقلوا لنا عن مشايخهم أحد هذه الأحرف في القرآن الكريم، كما نزله رب العالمين، وكتبه الصحابة في المصحف الكريم، فقراآتهم جزء من أحرف القرآن، لا أن القراء أنفسهم هم الأحرف السبعة.

ثم إن السلف قد اختلفوا في شأن هذه الأحرف السبعة اختلافا كثيرا، كما اختلفوا في معناها، وبعد التنقيب يبدو أنها هي عبارة عن سبعة أوجه عامة نزل بها القرآن الكريم، في كل وجه قد توجد طائفة من الفروع والروايات القرآنية التي قرأ بها جم من السلف، وقد ذكرتها بالتفصيل في كتاب " علم غريب القرآن، تطوره، وعلاقته بالتفسير وأنواعه".

وها هي أسماء القراء العشرة:

1.  نافع المدني: إمام أهل المدينة.

2.  ابن كثير المكي: إمام أهل مكة.

3.  أبو عمرو البصري: إمام أهل البصرة.

4.  ابن عامر الشامي: إمام أهل الشام.

5.  عاصم الكوفي: إمام أهل الكوفة (أشهر رواياته حفص).

6.  حمزة الزيات: إمام الكوفيين.

7.  الكسائي الكوفي: من أئمة الكوفة.

8.  أبو جعفر المدني: من أئمة المدينة.

9.  يعقوب الحضرمي: من أئمة البصرة.

10.                خلف العاشر: من أئمة الكوفة .

وأما الأحرف السبعة:

القدة الثانية: تفسير قراءة قرآنية بقراءة أخرى، وتوجيه الأحرف السبعة:

أنزل الله تعالى القرآن الكريم على سبعة أحرف: تخفيفا على أمته في النطق والفهم، وهذا الاختلاف التنوعي يؤدي إلى الاختلاف في المعنى، أو توسيعه، أو تفسير لفظ بأخر، أو تخصيص قراءة بقراءة، أو تقييدا بها، وقد يكون الاختلاف للتيسير في النطق فقط دون تغيير كبير في المعنى، وكل واحدة من هذه الأوجه إنما هو تعبير عن حرف من أحرف القرآن السبعة وإليك التمثيل:

الجنس الأول: اختلاف اللغات في اللهجات والنطق:

وهذا لا أثر له في علم التفسير، ولا المعاني، إلا في باب الوصل والوقف، وإنما سبب تنزيله هو تسهيل الله تعالى على عباده في النطق بأحرف القرآن الكريم، كل على حسب لهجته، من فتحٍ وإمالة، وترقيق وتفخيم، وتحقيق وتسهيل، وإدغام وإظهار، ومد وقصر ونحو ذلك

وهذا النوع لا يؤثر على المعنى البتة أبدا، إلا باب الوقف والسكت، فلو وقفت على آية، فإنك تبين نهاية الجملة السابقة والعطف عليها أو التبع لها، ثم تشرع في تلاوة الآية التي بعدها بمعنى مستقل كقوله تعالى { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ . يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ...}  تكثيرا للمعاني وتنويعا لها. 

وأما الباقي فلا يتغير المعنى:

مثل قوله تعالى:{والضحى} بالفتح والإمالة...

وقوله: {تكبيرا}ْ بالتفخيم أو الترقيق.

وقوله: {سأَلَ } بتحقيق الهمزة، أو بإبدالها ألفا: {سَالَ }....

الجنس الثاني: الاختلاف في الإعراب ـ أي الشكل فقط ـ :

وهذا الجنس له صورتان: فإما أن يتحد المعنى به، أو يختلف:

الصورة الأولى: مع اتحاد المعنى:

فإذا كان اختلاف الشكل في أثناء الكلمة، فلا يغير لا المعنى ولا الإعراب، مثل قوله تعالى: { فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ }[البقرة ] بنصب السين، وورد بضمها (ميسُرة). 

وأما إذا كان الاختلاف في آخر الكلمة، فإنه لا يغير المعنى غالبا، لكن يغير الإعراب والإسناد.

كقوله تعالى في قصة لوط: { هؤلاء بناتي هن أطهرُ لكم} [هود 78] بضم الراء على أنه خبر،  وبفتح الراء شذوذا: (أطهرَ) حال لفعل مقدر محذوف، أو حال من اسم الإشارة, والمعنى في الجميع أن بنات لوط عليه السلام كلهن طاهرات عفيفات. 

الصورة الثانية: مع اختلاف المعنى:

لا بد من التنويه على أنه لا يوجد في القرآن الكريم اختلاف تضاد، إنما كل ما فيه هو اختلاف تنوع لتكثير المعاني وزيادتها باللفظ الواحد، خاصة المقروء بوجهين، فإنه يحمل على جميع معانيه وأشملها ما لم تكن متدافعة،

فأما إذا كانت المعاني تبدو متدافعة، فإننا نعمل في كل قراءة بوجه من الوجوه، فنحمل هذه القراءة على صورة معينة، وتلك على صورة أخرى، لا أن نحمل قراءة على قراءة فنقيدها بها، لأن هذا تعطيل لأحد القراءتين، لأن الأصل هو شمولية كلام الله تعالى، وكثرة معانيه كما يستبين ذلك في أنواع الاختلاف التالية، ومنها هذا الجنس المتعلق بالاختلاف في الشكل..   

أ: فمن أمثلة حمل اللفظ على توسيع المعاني والجمع بينها: قوله تعالى :{ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .... وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَـِـكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ }[المائدة 6] وردت بنصب اللام وجرها، ولكل منهما توجيهاته اللغوية والفقهية.

فمن قرأ بنصب اللام [أرجلَكم] فإنما هو عطف على "وجوهَكم "، والعامل فيه هو فعل الأمر "اغسلوا"، فيكون المراد هو الأمر بغسل الرجلين.

وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم .

قال أشهب: سئل مالك عن الآية، أهي:" أرجلَكم" أو"أرجلِكم"؟ فقال: إنما هو الغسل وليس بالمسح، لا تُمْسح الأرجل، إنما تُغسل. قيل له: أفرأيت من مسح أيحزيه ذلك؟ قال: لا ".

قال الطبري:" وتأول قارئو ذلك كذلك، أن الله جل ثناؤه: إنما أمر عباده بغسل الأرجل دون المسح بها"

وأما من قرأ بكسر اللام {أرجلِكم}، إنما هو عطف على "برؤوسِكم" والعامل فيه هو فعل الأمر " امسحوا"، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وشعبة عن عاصم.

وقد اختلف المحتجون بقراءة الكسر في تأويل الآية:

. فذهبت طائفة إلى أن المسح على الرجلين مباشرة، إنما يكون لمن أراد تجديد الوضوء عند كل صلاة فقط، بمعنى أنه كان متوضئا من قبل، ثم جدد وضوءه فقط، فإنه يمسح على رجليه مسحا. 

روى الطبري عن النزال، قال، رأيت عليًّا صلى الظهر ثم قعد للناس في الرَّحْبة، ثم أتِيَ بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مَسَح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدِث ".

. وجنح آخرون إلى المسح على الأرجل مطلقا، أو غسلها، قال الطبري:" وتأول قارئو ذلك كذلك: أنّ الله إنما أمر عباده بمسح الأرجل في الوضوء دون غسلها، وجعلوا "الأرجل" عطفا على" الرأس"، فخفضوها لذلك".

وكان أنس إذا مسح قدميه بلَّهما، وقال: نزل القرآن بالمسح، والسنة الغسلُ.

وقد رجح الطبري هذا القول فقال:" والصواب من القول عندنا في ذلك، أن الله عزّ ذِكْرُهُ أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم. وإذا فعل ذلك بهما المتوضئ، كان مستحقًّا اسم "ماسحٍ غاسلٍ"، لأن"غسلهما" إمرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء. و"مسحهما"، إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليهما. فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو"غاسل ماسح".

ورجح قوله بأن العطف إنما يكون على أقرب مذكور وهو المسح.

. وجمع آخرون بين القولين فقالوا:

من لبس نعليه أو خفيه على طهارة فليمسح على نعليه، حتى تنتهي المدة المؤقتة بيوم للمقيم وثلاث للمسافر،

فإذا انتهت المدة فيتعين عليه حينئذ الغسل. 

وكذلك من لبسهما على غير طهارة ففرضه غسل رجليه.

وإنما قال الله {وامسحوا ... وأرجلِكم} والمراد بها النعل الذي على الأرجل، من باب إطلاق الحال على المحل، أو العكس، كما في قوله تعالى {واسأل القرية} والمراد أهلها.

ولذلك ورد الحديث بلفظين:

عن حذيفة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سُبَاطة قوم فبال عليها قائما، ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه"

وروى أوس بن أبي أوس قال:" رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سُبَاطة قوم، فتوضأ ومسح على قدميه".

فالمراد بالقدم هو النعل والخف وما يلبس على الأرجل، وهؤلاء هم أسعد الناس بالقراءتين، لما فيهما من توسيع المعاني كما بينا، لا تقييد أحد القراءتين بالأخرى، وبالله التوفيق.

ب: ومن أمثلة تغير الحركة لأجل توسيع المعنى وتنويعه وحمله على الجميع: قوله تعالى: { إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا }[طه15] وردت بضم المهزة وفتحها.

فأما بالضم "أُخفيها": فهي مشتقة من الفعل الثلاثي: خفِي يُخفي بالضم: بمعنى سرّ واستتر واندس، تقول: أنا أُخفي بالضم أي أستر وأسر السر،

ومنه قراءة الضم في قوله {أكاد أُخفيها } أي أسترها عن نفسي، مبالغة في إخفائها.

وعلى قراءة النصب: فقد دخلت عليها همزة السلب فصارت من الرباعي" أَخفَى ، يَخفي " بالفتح، فانقل المعنى من أسرّ إلى: أظهر، من الظهور. 

قال الطبري:" قال آخرون: إنما هو:( أكادُ أَخْفِيها) بفتح الألف من أخفيها بمعنى: أظهرها ".

وهذا كقوله تعالى :{وأسروا الندامة} قيل أخفوها، وقيل أظهروها لأنه يوم إظهار للسرائر، وأن الآيات أخبرت بإعلانهم الندم ...{يا ليتني...}

والمعنى هنا المبالغة في الحديث عنها وعن علاماتها حتى إنه تعالى يكاد يطرها للناس من كثرة تبيين علاماتها لهم، والحديث عنها.  

وكلا المعنيين صحيح أتت بهما الآية، فلا معنى للترجيح أو حمل قراءة على قراءة أخرى، فالله تعالى من شدة المبالغة في إخفاء الساعة قال : أُخفيها" بالضم.

ومن كثيرة الحديث عنها حتى يكاد يظهرها فقال {أَخفيها} بالنصب.

. ومن ذلك قوله تعالى  ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: 15]، قرئ برفع "الْمَجِيدُ" عطفا على ذو وهو الله، أو بالكسر صفة للعرش.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ ... إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ... قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة 119].

متى كان هذا الحوار؟ هل في الدنيا ؟ أم بعد الرفع ؟ أم يوم القيامة؟

فمن زعم بأنه في الدنيا أو بعد الرفع: استدل بقراءة النصب {هذا يومَ} بتقدير هذا التعذيبُ أو المغفرةُ سيكون يومَ القيامة... مع تأويل الآية {إن كنت (قلتُه)} جملة فعلية في محل نصب خبر كان، والتقدير: إن كنت قائلاً له، أو نعرب" قلته: فعل ماضي مبني على السكون لاتصاله بالتاء، وهو في محل جزم، والتقدير: إن أكنْ أقلْه فأنت تعلمه. 

وأما من قرأ بالرفع: {هذا يومُ} فلأن يومُ بدل من هذا، إشارة إلى هذا اليوم وهو يوم الدين، وتكون الجملة السابقة باقية على أصلها الماضي في الدنيا {إن كنت قلته فقد علمته} أي سابقا. 

ويكون هذا الحوار تبكيتا للنصارى ورفع الحجة عنهم.

ثم قوى ذلك بقوله تعالى { وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21)}[الصافات]

{فهذا يومُ البعث} {}

ج. ومن أمثلة حمل القراءتين على المعنى الأشمل: لما فيه من إعمالهما معا: قوله تعالى :{ولا تقربوهن حتى يطهرن} وردت بالشدة من فعل المرأة، وبلا شد من فعل الرب.

فقرأ حمزة والكسائي وخلف وشعبة {يطّهّرن} بالتشديد فيهما، أي أن فعل التطهّر صادر من المرأة وهو الاغتسال، ومن المعلوم أنها لا تغتسل إلا بعد أن تطهر من الله تعالى، فيكون هذا التطهر والاغتسال هو المعنى الأشمل بين القراءتين، ثم يتم الاقتراب منهن كما هو مذهب الجمهور.

قالوا: فتكون الآية بعدها: {فإذا تطهرن فاتوهن} إنما تكون مؤكدة للشرط السابق. 

وقرأ الباقي {يطْهُرن} أي من فعل ربهن بهن، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وبالتالي إذا ذهب عنهن الدم حل غشياهن كما هو قول الحنفية حملا لقراءة التطهر على غسل مكان الحيض.     

لكن هذه القراءة {يطهُرْن} اشترطت انقطاع الدم فقط، والثانية {يطّهّرن} اشترطت التطهر، وهو الأشمل، لما فيه من إضافة شرطين في الذكر، وهو الصحيح، ويبقى الإشكال في تفسير التطهر.  

فالحنفية يحملون أو يقيدون أحد القراءتين بالأخرى، ويجعلون يطهرن تكفي، ويحملون قراءة الشد على المعنى اللغوي فقط وهو غسل مكان المحيض، ويؤيدون ذلك بقوله عليه السلام للحائض:" ثم خذي فرصة فتطهري بها،

لكن هذه القراءة اشترطت انقطاع الدم، والثانية اشترطت التطهر، وهو الأشمل، لما فيه من إضافة شرطين في الذكر، وهو الصحيح.

لكن يبقى الإشكال في معنى التطهر، هل هو الاغتسال أن الوضوء أم غسل أماكن النجاسة والحيض... 

فالحنفية الحاملون لتقييد أحد القراءتين بالأخرى، يكتفون بتطهير المرأة أماكن حيضها، فلم يهملوا قراءة التخفيف إذا {يطهُرْن}، ثم حملوا التطهر على غسل مكان النجاسة فقط استدلال بالحديث:" خذي فرصة فتطهري بها ..".   

. ومن ذلك كذلك قراءة {فلا رفثَ ولا فسوق ولا جدال} بالنصب في الجميع، أو الضم المنون في الأوليين، للاختلاف بين نفي الجنس والوحدة. 

فالقراءة الأولى بنصب الجميع، محمولة على نفي الجنس المقتضي عموم النفي لكل أنواع الرفث والفسوق والجدال، وهي من النفي بمعنى النهي، أو الأسلوب الخبري المراد به الإنشاء، وبالتالي لا يفيد الفساد، بل من ارتكب فيه هذه المحظرات فعليه كفارة هدي... 

وأما بالضم: فالنفي للوحدة، وهو نفي فسوق خاص ورفث خاص، وهو المنفي المبطل للحج مما كان أهل الجاهلية يفعلونه من إلمام بالنساء وشرك بالله....

فأنت ترى بأننا قد حملنا كل قراءة على معنى معين...

الجنس الثالث: القلب والإبدال في حرف بآخر:

 

 

وهذا الجنس له ثلاثة صور:

الصورة الأولى: مع اتحاد الصورة والمعنى:

مثل قوله تعالى :{ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} [البقرة259]

قرأ نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالراء من النشوز. بمعنى نعلوها ونركبها بعد موتها.

وقرأ الباقون بالراء، من النشور وهو البعث بعد الموت.   

ومن ذلك كذلك قراءة الغائب والمخاطب في الكثير من الآيات كقوله تعالى {ومن يقنت} و {من تقنت} [الأحزاب] {والذين يدعون}{تدعون} ... فإنها لا تغير المعنى، بل تزيده بديعا وجمالا وإثراء لغويا فقط، وأما المعنى فهو نفسه.

الصورة 2: مع اتحاد الصورة واختلاف المعنى :

لا يوجد في القرآن الكريم اختلاف تضاد، إنما كل ما فيه هو اختلاف تنوع لتكثير المعاني وزيادتها باللفظ الواحد، خاصة المقروء بوجهين، فإنه يحمل على جميع معانيه ما لم تكن متدافعة، كما أسلفنا:

ففي قوله تعالى :{ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ}[يونس]

قرأ حمزة والكسائي وخلف {تتْلو} بالتاء، وقرأ الباقون بالباء.

فأما قراءة التاء {تتلو} أي كل نفس تعاين وتقرأ كتابها، كما فسرت ذلك آيات أخرى.

ومن قرأ بالباء: {تبلو} بمعنى: تمتحن أو تُخبر من الإخبار، حيث يخرج الله لكل نفس كتابا تلقاه منشورا، فيخبرها بما فعلت حتى تمر ببلاء عصيب، وليس هذا البلاء من باب الامتحان والاختبار في الآخرة، إنما هو عذاب ومشقة الحساب.

فهل يا ترى نحمل آية على آية؟ أم نعمل بالجميع على عدة أوجه كما أسلفنا وهو الصحيح.

الصورة 3: مع الاختلاف في الصورة واتحاد المعنى:

كتب الصحابة في عهد عثمان رضي الله عنه، عدة مصاحف تشتمل على أحرف القرآن، بحيث إذا كانت صورة الرسم لا تشتمل على القراآت، فإنهم يكتبونها مرة بكلمة، ومرة أخرى بكلمة أخر وهكذا... 

وذلك كقوله تعالى : :{ بصطة} (بسطة) وبالزي إشماما، لأن حروف الصفير تنناوب. 

ومن ذلك قوله تعالى :{الصراط} و (السراط} والزراط إشماما

الصورة 4: مع الاختلاف في الصورة والمعنى معا:

وذلك كقراءة العامة {وطلح منضود} [الواقعة 29]، والطلح هو الموز.

بينما قرأ عليٌ شذوذا: {طلع منضود} من طلع النخيل، واستدل لها بقوله تعالى { وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} [ق10]

وأقرب ما وجدت لها من المتواتر: قوله تعالى :{ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ}[غافر21]

قرأ ابن عامر بضمير المخاطب على الالتفات {منكم}

وقرأ الباقون بضمير الغائب {منهم}  

مع أن الاختلاف بين المخاطب والغائب لا يوجد له تأثير كبير على المعنى والله أعلم..

الجنس الرابع: القلب والإبدال في كلمة بأخرى: فيه صورتان:

1. مع اتحاد المعنى: وهذه تكون من باب تفسير قراءة بقراءة أخرى كما بينا: 

مثل قوله تعالى : {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا 94} وفي الحجرات.

قرأ حمزة والكسائي " فتثبتوا" وقرأ الباقون " فتبينوا "

فالتبين هو النظر والكشف، والتثبت هو التروي حتى كشف الأمر، وكلاهما يؤديان نفس الدور والمعنى في الأخير.

ومما ورد في القراآت الشاذة: {إن كانت إلا (زقية واحدة )} فهي لفظة غريبة مفسرة بالقراءة المتواترة {إلا صيحة واحدة}

ومن ذلك قوله تعالى { وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش } كلمة غريبة فسرتها قراءة ابن مسعود:{ كالصوف المنفوش }.

وقد وردت بعض الأدلة بجواز إبدال بعض أسماء الله ببعض، وأن ذلك كان توقيفيا في أحرف سابقة.

ولذلك اختلف السلف فيها:

فمذهب الجمهور أنها قراآت منسوخة اللفظ.

وذهب جماعة إلى الاستدلال بها على مسألتين:

1: أن للقارئ أن يبدل ويجمع بين هذه القراءات الثابتة تيسيرا عليه، فيجمع في نفس التلاوة بين قراءة هذا وذاك،

2: واستدل بها آخرون على جواز القراءة بها عند الضرورة واختلاط الآيات عليه عند القراءة مشافهة، فبدل أن يسكت أو يتوقف، له أن يقرأ بإبدال أسامي الله ما لم يحل المعنى من رحمة إلى عذاب أو العكس... وذلك كقوله :{غفور رحيم} {عفو غفور} / {عزيز حكيم} ... ونحوها،

فمنع من ذلك عامة أهل العلم والقراء، وجعلوا هذا التبديل من قبيل الأحرف المنسوخة بالعرضة الأخيرة.

وأجاز ذلك آخرون: وجعلوه من باب الضرورة، لا أنه من القرآن، وهو نص عنهم فلا معنى لتأويل كلامهم بالتكلف.

الصورة 2: مع اختلاف المعنى... ولا يحضرني فيه مثال صريح...

الجنس الخامس: الاختلاف بالزيادة والنقصان:

وهذا الجنس هو الذي جعل الصحابة يكتبون عدة مصاحف، حتى تشتمل على هذه الأحرف والقراآت جميعا.

الصورة الأولى: الاختلاف بالزيادة والنقصان مع بقاء المعنى نفسه أو تأكيده أو تقييده:

أ: فقد تكون الزيادة في القراءة مع اتحاد الرسم: كقوله تعالى في الفاتحة{ مالك} {ملِك}، فقد كتبوها في المصحف {ملك} حتى تشتمل على الحرفين معا.

ب: اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث: مثل قوله تعالى :{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ[المؤمنون:8] فقد قرئت بالإفراد (لأمانتهم).

وكقوله {إن صَلَواتكَ} نفس الرسم قرئ بالإفراد "صلاتك" وبالجمع "صَلَوَاتِك ".

ب: وقد تكون الزيادة لحرف واحد كقوله تعالى :{ وما عملت أيديهم} وقراءة: {وما عملتــه أيديهم}.

قوله تعالى: {وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: ١٣٣] قرئت بواو العطف، وبحذفها

ومثل قراءة {الصابين} {الصابئين} بزيادة الهمزة على الأصل أو بحذفها تخفيفا والمعنى نفسه. 

ج: وقد تكون الزيادة لكلمة كقوله تعالى {إن الله هو الغني }

وورد في قراءة سعد بن أبي وقاص: (وله أخ أو أخت (من أم) في سورة النساء،

وقرأ عبد الله بن مسعود وأبو الدرداء: (والذكر والأنثى) في قوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾[اليل: 3]

الصورة الثانية: الاختلاف بالزيادة والنقصان مع الاختلاف في المعنى:

وذلك إذا كانت الزيادة من باب تقييد المطلق بالمقيد كقوله تعالى في قراءة ابن مسعود {فصيام ثلاثة أيام متابعات}

وكقراءة عائشة {والوالدات يرضعن أولادهن [خمس رضعات]}

فإن الآيات الأولى مطلقة، والثانية مقيدة...

الجنس السادس: الاختلاف في التصريف:

علم الصرف: هو علم يُعنى بأبنية الكلمة المجردة وصيغها وهيئتها وأوزانها وما يلحقها من تغييرات وتحويلات مثال التحويلات: تحويل الكلمة الواحدة إلى صيغ متعددة لِفَوَائِدَ معنوية مختلفة، مثل:

تحويل الفعل الماضي إلى مضارع ومصدر واسم فاعل ومفعول وصفة مشبهة وغيرها.

الصورة الأولى: التغييرات اللفظية وأنواعها:  

أ: القلب (إبدال حرف بحرف آخر)/ وقد مرت أمثلته.

ب: الإعلال (تغيير حروف العلة): يفيد هذا العلم بمعرفة أصول الأفعال المعتلة،

مثال الإعلال بالحذف قوله تعالى: { قُو أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ } [التحريم 6] قو: فعل أمر للفعل المعتل اللفيف المفروق :" وقى يقي، قِ "، والجمع: قُوا، ففهمنا أنه من الوقاية للنفس والأهل ...

وكقوله تعالى {قال له صاحبه}، من المعتل الأجوف، قال، أصله واوي "قَوَل"، ومنه نعرف أن المصدر هو القول.

وقوله {قم فأنذر} من قام يقُوم، قُوْمْ، فحذف حرف العلة لالتقاء الساكنين. 

الصورة الثانية: التغييرات الإدغامية: وقد مرت أمثلته كقوله تعالى: { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ} بتخفيف الظاء وتشديدها {تظّاهرا} وأصلها تتظاهرا.

ومثل قراءة {تساءلون 2} [النساء]

فقد قرأ عاصم وحمزة بتخفيف السين، بحذف تاء الافتعال للتخفيف {تَسَاءلون}.

وقرأ الباقون بالتشديد {تسَّاءلون} بالشدة من الأصل تتساءلون، ثم أدغمنا التاءين.

وكقوله: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا }

فقد قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع {يصًَالحا} بالشد.

بينما قرأ الباقون {يُصلحا} بالمضارع، من أصلح إصلاحا، وهو المصلح المبادر للصلح، وهو أفضلهما.

{يصَّالحا} يتشاركا معا في الصلح بينهما، وأصلها: يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد .

الصورة الثالثة: التغييرات التصريفية للأفعال: من ماض ومضارع وأمر، وفعل الاشتراك بالألف والانفراد بدونها:

مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: 19]، قرئت بالألف في فعل الأمر، من باعد يباعد باعد، وقرئت بالشدة:  (ربّنا بعّد) بالتضعيف وحذف الألف من بعَّد يُبعِّد.

وقوله {واعدنا} للمشاركة. {وعدنا} من فاعل واحد وهو الله. وقراءة {تفادوهم} {تُفْدُوهم}

وكقوله {فأزلّهما} بمعنى أدخلهما الشيطان في الزلل وهو الخطيئة، وقراءة {فأزالهما} بالتخفيف من الزوال والتنحية من الجنة، وكلا الفعلين بهمزة التعدية، لأنهما من فعل الشيطان.

ويصح أن يكون هذا من باب إبدال كلمة بأخرى، لأن الفعلين متغايرين.

الصورة الرابعة: التغيرات الصرفية بين المصدر واسم الفاعل ونحوها:

قال تعالى { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا }[النمل 1]

قرئت بالمد {ضاحكا} على أنه حال منصوب،

ووردت بالمصدر بغير مد {ضحكا} على أنه مفعول مطلق، فيكون التبسم من جنس الضحك، فتكون هذه القراءة حجة للظاهرية في إبطال الصلاة بالتبسم، لأنه من جنس الضحك.

ومن ذلك قوله تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }[البقرة 143]. وقرئت بغير مد: رؤفٌ.

قال ابن زنجلة في توجيهه :" قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر (شعبة) «إن الله بالناس لرؤف على وزن "رعُفٌ"، وحجتهم أن هذا أبلغ في المدح، كما تقول: رجل حذق ويقظ للمبالغة... 

الجنس السابع: الاختلاف بالتقديم والتأخير:

ولها حالتان: إما أن القراءتين يحتملها رسم المصحف الواحد أو لا.

1/ فأما ما يحتمله رسم المصحف الواحد: كقوله تعالى:{ فيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُون} وعكسها :{فيُقتلون ويَقتلون}، ولا تأثير لها على المعنى. 

2/ وأما ما لا يحتمله رسم المصحف الواحد: فإنه قد كتبت في مصحفين مختلفين، وهذا مما يدل على أن الصحابة كتبوا جميع الأحرف التي صحت بها العرضة الأخيرة، وذلك كقوله تعالى:{ وجاءت سكرة الحق بالموت} [ق]، وقوله:{ سكرة الموت بالحق}،

وقوله تعالى : ﴿وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾: قرأت بتقديم (وقُتِلُوا) وتأخير (وقاتلوا).

وفي سورة المطففين: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ بتقديم الخاء ثم التاء على الألف، قرئت بتقديم الألف على التاء (خاتَمُهُ).

وقد يشتبه على ما ورد في سورة البقرة: ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله﴾: قرئت بهذا الشكل، وفي سورة المائدة جاءت ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾. 

 

 

المطلب الرابع: مفهوم الفرشيات، وعلم توجيه القراءات، وبيان أقسامه، وأهم قواعدها:

الفرع الأول: مفهوم الفرشيات، وعلم توجيه القراءات :

1/ الفرشيات: الفرش في اللغة هو البسط كما قال تعالى { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة 21].

و (فرش الحروف) هي كلمات مبسوطة مفروشة في مختلف آي القرآن الكريم، لا تجمعها قاعدة مطردة، بل العبرة فيها بالنقل،

ثم يأتي علم التوجيه لتقوية هذه الفرشيات إما بالمعاني، أو المباني بما فيها من نظائر أو أشباه. ، 

والفرشيات: هي تتبع مجموعة أحرف القرآن أو كلماته المتنوعة القراءة، والتي وردت بأحد الأحرف السبعة، ثم تقويتها، إما بالمعاني أو المباني. 

وهذا يقودنا إلى لزوم معرفة علم التوجيه، فما هو التوجيه إذا؟

2/ التوجيه: لغة: مأخوذ من الوجه، وهو الشيء المستقبل لغيره، ووجهت الشيء جعلته على جهة، أو ذكرتُ حجته.

ومنه وجه الكلام، وهو إيراده بحجة، أو على وجه ليندفع به كلام الخصم، حيث إن الموجه للقراءات يبحث عن وجه القراءة التي غمضت عن ظاهر الصنعة حتى تستبين وتقوى حجتها.

ولذلك يطلق على علم التوجيه هذا: علم الاحتجاج والحجة، أو علم الانتصار، التوضيح، الايضاح، التخريج،.معاني القراآت، علل القراآت، إعراب القرآن.

ب - اصطلاحا:  

علم توجيه القراءات: هو علم الاحتجاج والتخريج والانتصار لأحرف القرآن الكريم، وتعليلها بمثيلاتها إما من المعاني أو المباني.

أو هو علم يبحث في بيان وجوه معاني القراءات المتواترة وحتى الشاذة، بتبيين عللها الشرعية أو اللغوية والمعنوية اعتمادا على مثيلاتها في المباني أو المعاني.

الفرع الثاني: مراحل نشأته:

م1/ ما قبل التدوين:

حيث كان عبارة عن روايات متناقلة شفويا عن الصحابة والتابعين، أو متفرقات في بطون بعض المرويات المتفرقة في صحائف من كتبوها، على شكل كتابات ورد فيها التوجيه عرضًا أو ضمنًا، من غير إرادة الجمع والتخصص.

م2/ مرحلة التدوين: ويوجد ضربان في التدوين فيها:

ض1/ محاولة جمع الأحرف التي لها علاقة بعلم النحو والصرف والمعاني:

حيث كان أهل اللغة والتفسير يتعرضون لوجوه القراءات عند تفسير الألفاظ أو عرض المسائل الصوتية والصرفية والنحوية وبيانها، فيذكرون القراءة ويعللونها،

ولعل أول من فعل ذلك هو الإمام سيبويه (ت180ه)"، فقد وجه الكثير من القراءات القرآنية،

كما فعل في قوله تعالى :﴿ َٰوَإِّذَا تُتۡلَى ٰ عَلَيۡهِّم ءَايَٰتُنَا بَيِّنات مَّا كَان حُجَّتَهُم ..﴾الجاثية:25، ففي قوله {حجتَُـَـهم} برفع التاء ونصبها.

وكذلك في قوله:﴿ ِّوَمَا كَان َجَوَاب قَوۡمِه } بنصب الباء وضمها.

يقول سيبويه في باب الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول واسم الفاعل واسم

المفعول فيه لشيء واحد،

قال:" وإذا كانا معرفة فأنت بالخيار: أيهما جعلته فاعلا رفعته، ونصبت الآخر، كما فعلت ذلك في ضرب...وتقول :" ما كان أخاك إلاَّ زيدٌ، كقولك:" ما ضرب أخاك إلا زيدٌ "،

وإن شئت رفعتَ الأولَ كما تقول: ما ضرب أخوك إلا زيدا، وقد قرأ بعض القراء ما ذكرنا

بالرفع".

وكذلك في كتب المعاني:

حيث احتوت على الكثير من الإضاءات في توجيه القراءات،

منها معاني القرآن للفراء(ت207)، ومعاني القرآن للأخفش الأوسط(سعيد بن مسعدة ت215ه)، و معاني القرآن للزجاج(ت311ه)، وغيرها،

كما احتوت كتب التفسير على الكثير من ذلك. كالطبري وابن عطية وأبي حيان والزمخشري...

ومن ذلك كتب شروحات القصيد:

وهي الكتب والشروح التي وضعها العلماء لشرح َّلامية الشاطبي (ت590ه) المعروفة باسم" حرز الأماني ووجه التهاني"، وهي قصيدة من ألف ومئة وثالث وسبعين بيتا، جمعت القراءات السبع المشهورة وأصولها وفرشها،

حيث تعد هذه الشروح مصدرا مهما من مصادر توجيه القراءات، ومن أهم شروح الشاطبية:فتح الوصيد للسخاوي (ت643ه)، واللآلئ الفريدة للفاسي (ت656ه)، ...

ض2/ التصنيف المفرد لهذا العلم:

. إعراب القراءات السبع وعللها أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه الهمذاني النحوي

(ت370ه).

2 الحجة في القراءات السبع لابن خالويه أيضا.

3علل القراءات أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت370.)

4 الحجة للقراء السبعة أبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي (ت377ه).

5 المحتَسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها أبي الفتح عثمان بنجني(ت

392.)

6 حجة القراءات أبي زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة (ت304ه).

7 الكشف عن وجوه القراءات السبع أبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي (ت437.)

8 شرح الهداية أبي العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت440ه.)

9 الموضح لمذاهب الأئمة واختلافهم في الفتح والإمالة أبي عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت

444ه.)

10 الجمع والتوجيه لما انفرد به الإمام يعقوب الحضرمي أبي الحسين شريح بن محمد الرعيني (ت539ه)

. كتاب الانتصار للقارئ حمزة، لأبي البقاء العبكري.

م3/ في العصر الحديث:

1.القراءات الشاذة وتوجيهها من لغات العرب للشيخ عبد الفتاح القاضي (ت1403.)

2.طالئع البِّشْر في توجيه القراءات العَشْر لمحمد الصادق قمحاوي.

3.المغني في توجيه القراءات العشر المتواترة،

والمستنير في تخريج القراءات المتواترة؛

كلاهما للدكتور محمد سالم محيسن.

4.توجيه مشكل القراءات العشرية الفرشية للدكتور عبد العزيز الحربي.

الفرع الثالث: أقسام علم توجيه القراآت:

ق1 التوجيه بالمباني: هو الاحتجاج للقراءة وتوجيهها إما بالنظائر أو الأشباه.

فالنظائر: هي الكلمات المتماثلة في الرسم والصورة، إما مع الاتفاق في أصل المعنى العام للكلمة، أو مع الاختلاف في معانيها المتفرقة في القرآن، كما سيأتي بأمثلته، في شرح قاعدة الاستدلال بالنظائر من الآيات القرآنية لتقوية وجه القراءة وبيان علته.

ومن هذه الأمثلة مثلا: قوله تعالى {خلقكم من نفس واحدة} وقرئت {واحد}

فمن توجيهها بالنظائر مع اتحاد المعنى: {أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأنعام 98] {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأعراف189][الزمر 6]

. وأما الأشباه: فهي الكلمات المتقاربة في علم التصريف والصرف والأوزان، ولا علاقة لها بالمعاني أصلا. كتقوية قراءة {يصَّالحا} بالشد، بقراءة {تظَّاهرا} ...

وكما قوى ابن عباس قراءة {ننشرها} بقوله تعالى {إذا شاء أنشره}،  

ق2/ توجيه القراءة بالمعاني: فيعني الانتصار لكل قراءة بذكر معانيها وتفسيراتها من القرآن الكريم وأحرفه (قراآته) وعلومه، وسياق آياته، ثم من السنة النبوية وكلام السلف،

ثم توجيه القراءة بالرأي والمعقول: وذلك كالشعر، وعلوم اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة وغيرها.

. فأما تفسير أو توجيه القرآن بالمأثور فأشرفه: توجيه آي الله أو أحرفه بأحرف أخرى منه، ثم من السنة ثم من كلام السلف.

أ: فمن توجيه آي أو أحرف القرآن بالقرآن: ما يشتمل على تفسير حرف وتقويته بحرف آخر متواتر، أو حتى الشاذ استئناسا وتقوية له،

مثل قوله تعالى عن الحًيّض : {ولا تقربوهن حتى يطْهُرْنَ} بسكون الطاء، أي يطهُرن بفعل الله تعالى، وهي الغاية الأولى الناقصة، لاحتوائها على شرط واحد فقط للجماع، وهو رؤية علامات النقاء من الحيض.    

وأما بقراءة الشد {يطَّهرْن}، أي بفعلهن أنفسهن، وهي الغاية الكاملة المتممة للمعنى والمضيفة عليه، فحصل من المجموع اشتراط غايتين معا لأجل قربان المرأة.

حيث نقوي القراءة الثانية، بالمعنى الخادم لها، وهو الغاية الثانية المذكورة بعدها، حيث قال تعالى {فإذا تطهّرن فآتوهن} أي بفعلهن أنفسهن، ثم نقويها بقوله أيضا في آخر الآية: { وَيُحِبُّ المتطهرين}. 

ثم حدث إشكال آخر في معنى التطهر، هل هو التطهر الشرعي بمعنى الاغتسال؟ أم هو التطهر العرفي بمعنى تنظيف مكان الحيض وغسله جيدا؟  

حيث اختلف السلف بالمراد بفعلهن أنفسهن، فالجمهور يقولون: لا يأتيها زوجها حتى تغتسل الغسل الشرعي وهي الحقيقة الشرعية، مستأنسين في التوجيه بالمعنى  كما في قوله تعالى { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} بالشد بإضافة تاء الافتعال المدغمة، التي تفيد أنه من فعل المرء.  

بينما يقول الحنفية: لا يأتيها زوجها حتى تتطهر، بمعنى تغسل أماكن الحيض والنجاسة وهي الحقيقة اللغوية والعرفية المستندة إلى الشرعية؟ وهي الموافقة للقراءة الأولى {يطْهُرن}.

ثم وجه الجميع تأويلهم لهذه الآية بالمباني مع المعاني من القرآن، وزاد عليهم الحنفية بتوجيه الآية بالمعاني من السنة:   

فأما توجيه الآية بالشد {يطّهّرن}  بالمباني والمعاني معا من القرآن فهو قوله تعالى في وصف المؤمنين:{ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) } [التوبة]

فإن كلمة {يتطهروا} شاهدة لقوله {تطهّرن} بالشد، فالتطهر فيهما بإضافة تاء الافتعال المذكورة أو المدغمة، وكل ذلك من فعل المرء بنفسه، وهي مأخوذة إما من الفعل : تطهّر يتطهّر، بإضافة تاء الافتعال، أو بإدغامها من الفعل " اطهّر يطّــهّــرُ"، 

ثم قوى الحنفية توجيههم للآية بالمعاني، بأسباب النزول وبالسنة النبوية:

فأما أسباب النزول، فقد نزلت في أهل قباء كانوا يتطهرون من النجاسة بالجمع بين الحجر والماء، فتعين أن التطهر المراد هو تطهير أماكن النجاسة والقذارة من بول وخراءة وحيض...  

ثم أكدوا ذلك المعنى بما خرج البخاري 314 ومسلم 60 عن عائشة أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: «خذي فرصة من مسك، فتطهري بها» قالت: كيف أتطهر؟ قال: «تطهري بها»، قالت: كيف؟، قال: «سبحان الله، تطهري» فاجتبذتها إليَّ، فقلت: تتبعي بها أثر الدم ".

. وأما توجيه هذه الآية بالمباني {يطهُرن، فإذا تطهّرن .... المتطهرين} ولو اختلفت المعاني على قول آخر، فنجده في آيات آخرى:

منها إخباره تعالى عن القرآن: { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)} [الواقعة.]

فقد وقع تشابه آخر في هذا اللفظ، ومن هو المطهّر؟

فالملائكة مطهرون أي من الذنوب، وكل مسلم مطهر أي من الشرك؟ وكل من نقى ثوبه من النجس فهو مطهر أي طهارة الخبث، وكل من توضأ واغتسل فهو مطهر أي طهارة الخبث؟ وكل من دخل الجنة، فهو مطهر، ولو كان من العصاة أو كان من أهل النار، فقد ورد أنهم يطهرون في نهر الحياة فتنبت فيه جسمانهم وجلودهم.

فأي المطهرين تحدثت عنهم الآية؟ 

قال الألوسي: قرأ عيسى { المطهرون } اسم مفعول مخففاً من أطهر ، ورويت عن نافع وأبي عمرو ،

وقرأ سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه { المطهِّرون } بتخفيف الطاء وتشديد الهاء وكسرها، اسم فاعل من طهر أي { المطهرون } أنفسهم، أو غيرهم بالاستغفار لهم والإلهام ،

وعنه أيضاً { المطهرون } بتشديدهما، وأصله المتطهرون فأدغم التاء بعد إبدالها في الطاء؛ ورويت عن الحسن . وعبد الله بن عون ،

وقرىء {المتطهرون} على الأصل

وهي كلها قراآت شاذة، والقراءة المتواترة هي { الْمُطَهَّرُونَ } بغير تاء الافتعال، لا إظهارا ولا إدغاما، بمعنى أن المطَهّرَ هو من فعل الله تعالى. 

وعليه: فتكون هذه الآية شاهدة لقراءة آية الحيض السابقة { حتى يطْهُرْن} أي بفعل الله تعالى،

وبالتالي لا تكون شاهدة لقراءة {يتطهرن} أي بفعلهن أنفسهن.

ولذلك كان الصحيح أنه لا يُستدل بهذه الآية {الـمـُـــطهَّرون}  على تقوية السابقة بالمعاني {المتطهرين}، لتأثير تاء الافتعال في تغيير المعنى.

فتكون التقوية هنا في المباني فقط.

وأما في هذه الآية بقراءة التواتر {إلا الـمـُـــطهَّرون} بغير تاء الافتعال فلا تدل على لزوم التطهّر لأجل مس القرآنَ الكريم، لوجوه:

1/ أن هذه الأسلوب خبري بحت، لا يراد منه إنشاء النهي على الأصح.

2/ أن هذه اللفظة {المطهرون} بغير تاء الافتعال، فهي إخبار عن فعل الله تعالى، فيكون المراد بها الاستثناء المنقطع، أي لا يمس القرآن الموجود في اللوح المحفوظ إلا المطهرون وهم الملائكة ومن طهرهم الله تعالى من ذنوبهم.  

قال الألوسي: إما صفة بعد صفة لكتاب مراداً به اللوح ، فالمراد بالمطهرون الملائكة عليهم السلام، أي المطهرون المنزهون عن كدر الطبيعة ودنس الحظوظ النفسية ".

3/ أن الضمير {لا يمسه} يعود إلى أقرب مذكور، وهو الكتاب المكنون، الذي كتب فيه القرآن.

4/ أننا لو حملنا الآية على أسلوب الإخبار المراد منه إنشاء النهي، وعلى جواز أن يكون المطهرَّ هو المتطهر أيضا (على الخلاف بينهما)، فهل يلزم أن يكون المراد منه الأمر بالاغتسال والوضوء؟

والجواب: أن لفظ المتطهر بتاء الافتعال بمعنى الطاهر، وهو لفظ مشترك، فالمؤمن طاهر، ومن أزال الندس طاهر، والمغتسل طاهر، فعلى ماذا نحمله؟ أم على المعنى الأشمل ؟

أ: فقد ورد أن المجتنب للذنوب الكبيرة طاهر كما قال تعالى ناقلا كلام المشركين عن قوم لوط:{ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) } [الأعراف]

وقال تعالى { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) } [الأحزاب]

قال الألوسي: المطهرون عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر بحمل الطهارة على الشرعية ، والمعنى لا ينبغي أن يمس القرآن إلا من هو على طهارة من الناس فالنفي هنا نظير ما في قوله تعالى : { الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } [ النور : 3 ] وقوله صلى الله عليه وسلم : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه " الحديث وهو بمعنى النهي بل أبلغ من النهي الصريح ، وهذا أحد أوجه ذكروها للعدول عن جعل لا ناهية "،

ب/ أن الآية وردت بلفظ " مس"، وقد ذكرنا الفروق في القرآن بين الفعل لـمس الذي يكون غالبا مع المتعة، أو في الأشياء العادية. 

بينما الفعل " مس"، يستعمل مع السوء والضرر فقط كما في قوله {مسني السوء} {مسكم الضر} {مسني الشيطان بنصب وعذاب} ...

فيكون المراد هنا استثناء منقطع معناه، لا يمس القرآن الذي في اللوح المحفوظ أحد بسوء، لكن المطهرون فقط.

ثم لو سلمنا بأنها إنشاء: لا يمس القرآن بسوء أحد، وهو من كان في يده أو بدنه أو ثوبه نجاسة حتى يزيلها، وكذلك الحائض حتى تغسل دمها وتخفيه بخرقة...

قال الألوسي:" وقيل : حرام كالمس باليد المتنجسة ، وكون القراءة في مكان نظيف "،

5/ والوجه الخامس: هو توجيه الآية {يطهرن... المتطهرين} وقوله { الـمـُـــطهَّرون} بنظائرها في المباني وأشباهها من المعاني:

فقد قال تعالى واصفا كتابه{ في صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بأيدي سفرة... }

فإنها نظيرة { الـمـُـــطهَّرون} مبنى ومعنى.

قال الألوسي: أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه قال في الآية:" ذاك عند رب العالمين لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة، فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس، والمنافق الرجس"،

قال الألوسي: وأخرجاهما وابن المنذر  والبيهقي في المعرفة عن الحبر قال في الآية : "الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا الملائكة "،

قال:" ويشير إليه ما أخرج ابن المنذر عن النعيمي قال : قال مالك : أحسن ما سمعت في هذه الآية { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون } أنها بمنزلة الآية التي في عبس { كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ * في صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِى سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ } [ عبس : 11 16].

ففرق تعالى بين لفظتي { المطهرين} {المتطهرين} بتاء الافتعال.

فإن الأولى: تدل على فعل الله تعالى وتطهيره لعباده، ومن أوجه ذلك في المباني مع المعاني:

قوله تعالى في وصف الحور: { وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } أي مطهرات من الذنوب والخيانة ... كما قال تعالى عن مريم { يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ } [آل عمران 42]، فإنها مُطهّرة من ذلك،  ولم يمنع عنها الحيض، فإنها مثل غيرها من النسوة فيه.

وقال عن نبيه عيسى بن مريم { رَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا }  [آل عمران  55]

6/ قال الألوسي: أن عبد الله قرأ {ما يمسه} وهي تؤيد أن لا نافية وكون المراد بالمطهرين الملائكة عليهم السلام مروى من عدة طرق عن ابن عباس، وكذا أخرجه جماعة عن أنس وقتادة وابن جبير ومجاهد وأبي العالية وغيرهم "

. بينما قوى المانعون قولهم بتوجيه القراءة بالسنة، لكن كلها أحاديث باطلة سندا ولغة كما أسلفنا:

مثل حديث عبد الرحمن بن زيد قال : كنا مع سلمان يعني الفارسي رضي الله تعالى عنه فانطلق إلى حاجة فتوارى عنا فخرج إلينا فقلنا لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن؟ فقال : سلوني فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون ثم تلا { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون } "،

وأخرج الإمام مالك . وعبد الرزاق . وابن أبي داود . وابن المنذر عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يمس القرآن إلا طاهر ".

ولو صح فهو حديث مستقل عن الآية إذ لا علاقة للطاهر بنفسه، بالمطهر من الله تعالى.

. وأما تفسير القرآن بعلومه : فهو شرح معانيه بناء على قواعد التفسير وعلومه، كعلم أسباب النزول والمناسبات، ورسم المصحف ...

مثال كتابة التاء مفتوحة لعلافة أنها امرأة متزوجة {امرأت نوح وامرأت لوط}، وكتابتها مربوطة في كل امرأة غير متزوجة {وامرأة مومنة}... وكذلك فتحها في كلمة {لعنت الله} في كل لعنة عامة متواصلة ...   

ومن أمثلة التوجيه بالصوت: كالوقف والوصل، كما في قوله تعالى { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ }

فمن وقف على {الله} قال: لا يعلم المتشابه غير الله وحده..

ومن وصلها ووقف على {في العلم} زعم أن بعض أهل العلم يعلم طائفة من المتشابه بتوفيق من الله، وكلا المعنيين صحيح...

وأما توجيه القرآن وأحرفه بالسياق: كقوله {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب} {يرى} الضمير يعود على الكفار، فناسبته قراءة الغائب أيضا { يرون}

وقرئت {ترى} خطابا للنبي عليه السلام، لما يفيده الانتقال من المخاطب إلى الغائب من تفيير في السياق، وجمال في المعنى وتنوعه وزيادته، فالكفار يرون عذابهم عدلا من الله، ويراه المسلمون ليتيقنوا كرم الله عليهم.   

ثم تأتي مرحلة:

2/ توجيه القرآن وقراآته بالسنة النبوية: كما أسلفنا في توجيه قراءة {حتى يطَّهّرن} وفسرناها بقوله في حديث عائشة: أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: «خذي فرصة من مسك، فتطهري بها» قالت: كيف أتطهر؟ قال: «تطهري بها»...

وتوجيه الجمهور لقراءة {إلا المطهرون} بحديث :" لا يمس القرآن إلا طاهر ".

. ومن ذلك كذلك: توجيه قراءة {رياح} بقوله عليه السلام :" اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا "...

كما بيناه في كتاب " علم غريب القرآن، تطوره، وعلاقته بالتفسير وأنواعه".

3/ تــفسير القرآن وتوجيه أحرفه، بكلام السلف من صحابة وتابعين.

ثم ننتقل إلى التفسير بالرأي والمعقول: الموافق للمنقول، والمعتمد على قواعد اللغة من شعر وإعراب وصرف وبديع... وممن أكثر من هذا النوع: حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنه حيث كان يقول: " إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله فاطلبوه في الشعر، فإنه ديوان العرب".

وفي تفسير قوله تعالى {أو يأخذهم على تخوف} فالتخوف هو الخوف من الهلاك، وهو التنقص أيضا. 

فقد ورد عن عمر أنه سأل أصحابه عن معنى قول الله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ} فقال له شيخ من هذيل: هذه لغتنا. التخوف: التنقص. فقال له عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها. فقال: نعم، وأنشده قول الشاعر: تخوّف الرحل منها نامكا قردا  .. كما تخوّف عود النبعة السّفن

فقال عمر لأصحابه: عليكم بديوانكم لا تضلوا ".

ثم نقوي هذا المعنى بقوله تعالى { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } [الأنبياء: 44] كما فعل الرازي.

وكل هذه الأدوات تساعد على توضيح أوجه تلك القراءات وإزالة الإشكال عنها وتبرز إعجاز تلك القراءات التي بالرغم من اختلافها وتنوعها فلا تعارض بينها ولا تضاد.

وهذا التوجيه والتعليل للقراءات ليس دليلا على صحة القراءة، لوجود التوجيهات بالنظائر والمباني حتى للقراآت الشاذة،

وإنما هو تقوية لها، وتثبيت لوجهها، إضافة إلى تعليل اختيار القارئ لتلك القراءة من دون القراءات التي تلقاها وأتقنها، وكذا بيان إعجازها،

فسند القراءة وتواترها هو دليل صحتها، ثم يأتي الاحتجاج لهذه القراءة كمدعم ومقو لها.

الفرع الثالث: أهم قواعد توجيه القراآت:

أولا: مفهومها: هي تلك الضوابط والأسس الشرعية التي تبنى عليها توجبه القراءات،

فالقراآت لا تبنى على الاجتهاد المطلق بل هناك قواعد تحكمها. منها ما يتعلق بأصولها، ومنها ما يتعلق بقواعدها:

أولا: أما أصول القراآت: "فهي مسائل علم القراءات التي لها قاعدة معينة، تندرج فيها الجزئيات "، مثل: الإدغام، المد، والإمالة، ونحوها، وقد يخالف بعض القراء القاعدة في كلمات يسيرة ".

أ: فالإدغام: هو إدخال حرفين متماثلين أو متجانسين أحدهما في الآخر،

. فعند ورش وجماعة حروفه " يرملون "، وهو إما إدغام تام أو ناقص...

أ/ وعند بعضهم أن الإدغام إما أن يكون بين المتماثلين أو المتقاربين أو المتجانسين:

. فالمتماثلان: يكونان بين نفس الحرفين:

إما أولاهما ساكن والثاني متحرك كقوله {لهم ما }

أو كلاهما متحرك وهو التماثل الكبير: كقوله: {كيف فعل} {فيه هدى} {الرحيم ملك} حيث أدغم أبو عمرو ويعقوب الميميين والحرفين تخفيفا.

وأما المتجانسان والمتقاربان: ففيها قراءتان: التجانس الصغير وهو الاكتفاء بأحرف الإدغام المعروفة " يرملون ".

وأما المتجانس الكبير: مثل قوله {فعل رّبك} { قد تّبين}

ب: ميم الجمع: يمدها ورش مع الهمزة {عليهم و ْءانذرتهم و أم لم...}

وأظهرها مع غيره في بافي الحروف.

وقرأها ابن كثير بالمد مطلقا {عليهمُ و غير} {بسمعهم و وأبصارهم } مراعاة لأصلها الواوي بدليل قوله {أنلزمكموها}

ج: الإمالة: هي تقريب الفتحة من الكسرة والألف من الياء، إما بسبب الكسر أو تبيين الأصل اليائي.

مثال الكسر قبلها: {في آذانهم} {في طغيانهم} حيث قرأها الكسائي وحده بالإمالة.

مثال الكسر بعدها {النار}{النهار}{}

مثال الأصل اليائي: {هوى... غوى... الهوى...}

ح/ ياء المتكلم:

هي ياء زائدة تدل على المتكلم، وتتصل باالسم والفعل والحرف

حيث قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الياء {إنــيَ}  

وقرأ الباقون بالسكون مدا {إنــي أنا}

فأما ابن كثير فيفتح كل ياء إضافة، مكسور ما قبلها، عدا الهمزة المفتوحة {أنـّـيْ أخلق}

وأما نافع فإنه يفتحها عند كل همزة، مفتوحة كانت أم مكسورة، أم مضمومة {أنيَ}

وأما أبو عمرو فيفتحها عند الهمزة المفتوحة والمكسورة، ولا يفتحها عند المضمومة أو الكلمة الطويلة {}

د: هاء الكناية أو الصلة الصغرى والكبرى:

هي هاء الضمير المضمومة أو المجرورة، يؤتى بها لتقوية الحرف الضعيف الهاء، أو تبعا لضمير المؤنث: لها، فكذلك تكون: له  به ... ونحوها.    

ولها أربعة أحوال:

. إما أن تقع بين ساكنين أو ساكن مع ألف الوصل: فتقرأ بالقصر بلا مد كقوله: {يعلمْهُ الله} {منه الماء} { مِنْهُ اثْنَتَا}

. أو يكون قبلها متحرك وبعدها ساكن: فهذه مقصورة كذلك عند الجميع {بهِ الذين}                                                                           

وإما أن تقع بين متحركين: فهذه موصولة عند الجميع {لربه لكنود وإنه على}، فإن وقع بعدها همز فهي صلة كبرى عند ورش {عنده و إلا }.  

أو يكون قبلها ساكن وبعدها متحرك: فهذه موصولة للبعض ومقصورة للبعض، {فيْه هدى} حيث قرأ ابن كثير بمد الصلة فيما سبق بالياء..{منه تنفقون} {أهله منه أكبر}

وأما ما سبق بالألف والواو فبالقصر {آتيناْه مِن }   

ه : الهمزة :

      الهمزة حرف حلقي عجيب، تكون في أول الكلمة، أو أثنائها، أو آخرها.

      وهي من الحروف العجيبة المتنوعة كتابةً واستعمالا في اللغة العربية، إذ تتنوع على حسب كتابتها ومعناها وموقعها،

      فتارّة تضيف التأكيد لفعلها.

      وتارة تقلب معنى الفعل أو الاسم أو الحرف إلى عكسه،

      وتارّة تُعدي الفعل اللازم، أو تعدي المتعدي من واحد إلى أكثر،

      وتارة تدخلك في عالم التعجب والاستفهامات المتنوعة.

      وتارة تعكس المعنى وهي همزة السلب.

      وأحيانا ما تدخلك هذه الهمزة إلى حيث شئت، محدثة عدة معانٍ رائعة على حسب أنواعها وموقعها في الجملة .

      كذلكم تتنوع في كيفية رسمها، على حسب موقعها وموقع ما قبلها.

فأما من حيث مواقعها فتكون في أول الكلام أو وسطه أو آخره:

1/ فإن كانت في أثناء الكلام: جاز التحقيق وهو الأصل، وجاز النقل بناء على الحركة التي قبلها عند ورش كما في قوله {يؤمنون} أو بالنقل {يومنون}/ {بئر} {بير} / {يأكلون} {ياكلون}...

2/ وإن كانت في أول الكلام: فهي إما همزة وصل أو قطع،

ن1/ همزة الوصل ومواطنها: (أ ا) بين اللغويين والقراء .

.إقرأ، وتأمل كيفية قراءة الهمزة نطقا من عدمه في قوله تعالى:  

{الرّحمن عَلَى العرشِ استوى} . {وامْرأتي} {وإنِ اِمْرأة}

1/ تعريف همزة الوصل: هي كل همزةِ ابتداءٍ، بعدها سكون، منطوقة ابتداء، محذوفة وصلا، لوصل سابق الكلام بلاحقه مع تسهيل نطقه،

. وعلامتها: إ دخال "ف" "و" مع حذف النطق بها: مثل {وَامْرَأته} ... وصلنا الواو بالميم فهي همزة وصل.

بخلاف: {فأكرمه} {وأما} .. فلا نستطيع حذف الهمزة، بل ينطق بها قطعا، فهي همزة قطع.

2/ مواطنها: تكون قبل ساكن لوصل سابق الكلام بلاحقه، فيما يلي:

. 1. في الأحرف: حيث تكون في (ال ) التعريفية، الشمسية أو القمرية، مثل قوله تعالى: {الرَّحمان على الْعرشِ اسْـتوى} ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ﴾

 {إن المسلمين والمسلمات والمومنين والمومنات ...}

فلو أدخلت عليها همزة الاستفهام أبدلتها ألف مد، أو تسهيلا مثل:

قوله ﴿قُلْ آللّهُ ﴾ { أ.الله} أو تسهيلا.

. فإذا سبقت بنون ساكنة أو تنوين حذفناها وكسرنا التنوين : (كما في درس التنوين)

مثل قوله تعالى: {عدنٍ اِلتي..} {أحدٌ اِلله} {حكيمٌ اِنفروا} {مثلا اِلقوم} {جزاءً اِلحسنى} ..

. فإذا سبقت بميم الجمع الساكنة ضممناها:

{ألهاكُمُ التكاثر} {عليكمُ الصيام} {قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ}

. وأما الأدوات فهي همزة قطع، ومن القراء من يصلها تلاوة :

{قل اِن } {لَكَبِيرَة إِلَّا } {حنينٍ اِذ اَعجبتكم}.. كما سيأتي ..

. 2. في الأسماء: الثمانية (ابن، ابنت، اثنان، اثنتان، امرؤ، امرأة، اسم/است) [ايم]

{وامْرأتي} {وإنِ اِمْرأة} {إنِ اِمْرؤٌ}

{ لهُ ابْن} {مريمَ ابْنت}

{حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ}

{تبارك اسم}

[وايم الله]: هَمْزَة وَصْل عِنْد الْأَكْثَر، وَهَمْزَة قَطْع عِنْد الْكُوفِيِّين لِأَنَّها جَمْع يَمِين] 

3 في الأفعال: 

ا: تكون في الأفعال الماضية الخماسية فأكثر >:

{وانطلق الملأ } {فاستبقا } {الَّذِي اسْتَوْقَدَ}، {لوِ اِستطعنا}{فاستغفَر}

كما تكون في أوامرها  {واستغفروه}، {وَاسْتَشْهِدُوا}

ومصادرها: {وما كان استغفار} {أردتم اسْتبدال } {إلا اختلاق}

ب. تكون في الفعل الأمر من الفعل الثلاثي: 

سواء التابعُ حرفُه الثالثُ في الحركة إلى ما قبل الأخير مثل:

{الْكُبْرَى اذهبِ}{واِضرِب}{واكتُب} {فادخلُوا} {اِهدِنا} {وامُرْ} {واصنع}

أو الغير التابع  مثل: ركِب اركَب {قالَ ارْكبوا} {هاؤمُ اقرأوا}

فإن كانت قبلها سكون أو ( نْ ..): فعامتها بقراءتين: الوصل والقطع:

{أَنِ اِركب معنا} {أَنِ امشوا} {أن اِضرِب} {أنِ ايتِنا}

ن2/ همزة القطع أو التحقيق ومواقعها:

لاحظ الفرق في قراءة الهمزة، واقرأ:

{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ }

{فأما} {فإذا} {فأكلا} {وأَسْتغفِرُ}

1/ تعريفها:

هي كل همزة ابتداء، مكتوبة منطوقة في حالتي الابتداء والوصل، وعلامتها إدخال "ف" "و" عليها مع النطق بها قطعا.

ومع ذلك فلورش وغيره قراءة الوصل في طائفة منها:

.2\ مواقع همزة القطع :

تكون غالبا فيما يلي: 

. 1 باقي الأسماء عدا 9، ومنها أسماء التفضيل :

{اسمه أحمد} {إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} {أَضغاث أَحلام} {وأَبونا} {وأخواتكم } {وأمهاتكم} {أشدُّ} {أنتم أعلم}

فإذا كانت مع (ال) أو سبقت بسكون ففيها قراءتان فأكثر .. :

{ولله الأسماء} {الاسلام} {الاخلاء }

{بنات الأخ وبنات الاخْت}

{له أخ أوُ اُخت}

  . 2: في الأفعال:

. تكون في الثلاثية: “ أكل“،  ـــــــــ وأكل

. في الأفعال الرباعية: {أسلم } {وأَقسموا} / أكرَمَ“

.وفي أمر الرباعية: {أَسْلِمْ} {وأَنصتوا} {فأمطِرْ} {أسكنوهن} {فَأَمْسِكُوهُنَّ} {وَأَخْرِجُوهُمْ}

. وفي مصادرها : {فإمساك} {إخراج} إكرام، إنصات ..

. لكن في القرآن: إن سبقت بسكون أو نون ساكنة.. فقراءتان {من آمن} {إذ أخذ} {قل امَرَ}{سورة أنَ ـ امنوا}

. كما تكون في الفعل المضارع الخماسي فأكثر“ {سأستغفِرُ} .

      3. في الأحرف والأدوات:

      إن/ إلى / إما/ أو/ أم / إلا ..

       {إِلى المسجد} {فإِما } {وَإِذَا جَاءَكَ}

      لكن إن سبقت بنون أو سكون أو همز فقراءتان أو أكثر:

      {قل ان} {قل ان } { خلوْا اِلى}  {إحسانا إمِّا}

      {أألد} {أإله} {شاءَ ان } {أَإذا} {أَ.ذا} { أأنتم } ..

أما الهمزتان المفتوحتان {ءانت} {أأنذرتهم} ونحوها، فقد قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب بهمزتين من غير مد، لأن الأولى همزة التسوية أو الاستفهام ...، والثانية همزة (أفعل) الأصلية.

بينما قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بمد البدل، بهمزة واحدة ممدودة (آنذرتهم) أو بالتسهيل {أ.نذرتهم} أو بالاكتفاء بهمزة واحدة من غير مد لدلالة الأولى عليها {أنذرتهم}

 

      4. في الضمائر: أنا /أنت ...

      {وإِياك} {وأنتم الأعلون} {وَأَنَا أَوَّلُ }

      فإن سبقت بنون أو سكون أو همز فقراءتان أو أكثر

      {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ } {إن أنا إلا } {إن أنتم}

ملاحظة: لأجل التفريق بين الهمزتين :

1.  أدخل على الكلمة حرف الفاء او الواو ، ثم تأمل كيف تُنطق؟ 

      {وانطلق} {واسْمَعْ  وانْظرنا} {واكتبنا}:

      هنا يثقل النطق بالهمزة، ويسهل نقبها فهي همزة وصل. 

      بينما في قولك:

      {وَإِيَّاكَ} {وإذا} {فإما منًّا...} {فأما} {وإلا } {فإمساك} {فأخرجَ}

      هنا لا نستطيع حذفها، فتكون حينئذ همزة قطع.

نرجع الآن إلى تبيين أهم قواعد التوجيه فنقول:

قاعدة 1/ الأصل في القراءة هو النقل والتوقيف، وأما التوجيه فتابع: أي أننا نثبت القراءة بالنقل والرواية الثابتة  وقد قررنا في السابق أن سند القراءة وتواترها هو دليل صحتها، ثم يأتي الاحتجاج لهذه القراءة كمدعم ومقو لها، يستأنس به في بيان وجوهها لتقوية مبانيها، أو ومعانيها لا في إثباتها أو ردها.

فإذا تبتت الرواية كانت أصلا يستدل به، والتوجيه فرع يقوى به.

قال ابن الجزري:" وأئمة القراءة لا تُعمِل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها "، 

ثم كل القواعد متفرعة وخادمة لهذه القاعدة الأم، ومنها :

ق2/ الأصل في اختلاف القراءات أن تُحمل على اختلاف التنوع، وأن إرادة تكثير المعاني أولى من حمل بعضها على بعض:

فالقراآت إذا ثبتت فهي حجة في أصلها ولغتها... وهي كالآيات المنفصلات من حيث التقرير، يجب الإيمان بما، وعدم الإنكار على من قرأ بأحدها، وأما في المعنى: فيجب الجمع بينهما كما تجمع بين الآيات المختلفة سواء .

ثم اعلم بأنه لا يوجد اختلاف تضاد في كلام الله تعالى، بل كل ما فيه هو اختلاف التنوع، والذي يراد منه أمران:

أولاهما: توسيع الألفاظ الدالة على معنى واحد، فنفسر لفظا بلفظ آخر، كتفسير {العهن المنفوش} بقراءة {الصوف المنفوش}

والثاني: توسيع المعاني وتكثيرها: وهو الأكثر في النصوص، إذ الأصل أن يحمل تنوع اللفظ على تنوع المعاني وتكثيرها، حتى تشتمل على المعاني الكثيرة كما في اللفظ المشترك.

فكل حرف قرآني أتى لإفادة معنى معين، يوسع معنى سابقه ويزيد عليه، لا يضاده، كما في قراءة {يطْهرن} من فعل الله، وزادت عليها القراءة الأخرى {يطَّهّرن} معنى آخر، وهو فعلهن أنفسهن أيضا.

ومن ذلك قوله تعالى {وانظر إلى العظم كيف ننشرها}

{ننشزها} بالزاي، من النشوز وهو الترفع والارتفاع، مثل قوله تعالى {تخافون نشوزهن} أي ترفعهن.

{ننشرها} من النشور، وهو إعادة الإحياء،

فنجمع بينهما : أن الله يحي العظام يوم القيامة، فيكسوها كما كانت لتقوم لله رب العالمين في محكمة العدل الإلهية.

ومن ذلك كذلك: قوله تعالى {بفحشة مبينة} بكسر التاء وفتحها.

أما قراءة الكسر، فتحمل على اسم الفاعل لفعل لازم تقديره :" تبينت الفاحشة"، أي بنفسها، وهذه القراءة حجة للإمام مالك الذي يثبت الزنا بحمل البكر، ما لم تدعي أنها اغتصبت أو حدث لها خطب ما، بخلاف الجمهور الذين يجعلونه قرينة على الزنا، لا بينة عليه. 

وهكذا إقرار الزاني العاقل على نفسه، فإنه دليل على الزنا...   

وأما قراءة الفتح {مبينَة} فتحمل على اسم المفعول، لفعل محذوف ... أي: بين الله الفاحشة... وأظهرها للشهود والناس مثلا كما سيأتي... 

ومن ذلك قراءة {عظاما نخرةً} بلا مد، صفة للعظام، فهي بالية.

{ناخرة} بالمد تبعا في الوزن للمد قبلها {الحافرة}، وهي الفارغة التي تحدث صوتا، مثل النخير وهو صوت الأنف. 

ومن ذلك قوله تعالى في آية الوضوء {وأرجلِـَــكم} بالفتح حملا على غسل الرجلين، وبالكسر، عطفا على المسح عليهما... وبالتالي يجوز الأمران،

وأما حمل آية على أخرى، فإنه يؤدي إلى تعطيل آية أخرى، حاشا في الألفاظ المفسر كما أسلفنا.

ويندرج تحت هذه القاعدة عدة قواعد وضوابط أخرى:

ض1/ إن أمكن حمل القراءة على وجه فصيح، فلا يصح ّحملها على وجه شاذ في العربية :

لأن هذا يؤدي إلى تعطيل أحد القراءتين كما أسلفنا، ومن تبعه فقد وهم، والجمع والإعمال، أولى من التعطيل والإهمال،

وذلك كحمل بعضهم قوله تعالى {وأرجلكم} بالكسر، على أنه يراد به مجرد الجر بالإتباع في اللفظ، لا يفيد مزيد معنى ولا توسيعه، واستدلوا بالمثل العربي الشاذ :"هذا حجرُ ضبٍّ خربٍ"، حيث أعربوا كلمة:  

(خربٍ) صفة ل"جحرُ" مجرورة محلا بالإتباع، مرفوعة حكما ل : (جحرُ)،

فقد جروها لمجرد إتباعها بما قبلها فقط، ثم زعم هؤلاء بأن الآية مثلها كذلك، وليس كذلك، لأن العربية يعتريها باب الاضطرار في الأمثال والأشعار، والقرآن لا. 

والصواب حملها على جواز عطف الضمير على الاسم المجرور كما في قول الشاعر. 

فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ...

ومن ذلك استدلالهم بقوله تعالى {ذو القوة المتينُ} فقد قرأ العامة بالرفع بدلا من " ذو القوة"، وقرأ الأعمش شذوذا {المتينِ} جرا على التبعية..  

ض2/ كل زيادة في المبنى تدل على زيادة في المعنى:

إما عن طريق الزيادة في القوة أو الكثرة أو المبالغة أو التكرار أو الطلب وغيرها، كما أسلفنا.

ومن شواهد ذلك ما ورد في قراءة (في سبيلي وقاتلوا وقُتِلوا) قتلوا: بالتخفيف، لتخفيف القتل.

وقرئت (قُتّلوا) بالتشديد والتثقيل، لكثرة التقتيل وشدته في سبيل الله تعالى ...

وهكذا يقال في قراءة {نزل به الروح} تخفيفا وشدا.

ومن ذلك قراءة {تبسم ضحكا} على أنه مفعول مطلق، فيكون التبسم العمدي من جنس الضحك المبطل للصلاة كما عند الظاهرية، ومن قرأ بالمد {ضاحكا} على أنه حال ... 

القاعدة 3: أن القراءتين وإن اختلفتا في المعنى فهما كالآيتين المنفصلتين، ويحملان على اختلاف التنوع أو تكميل المعنى:

حيث يرجع الاختلاف بين القراءات إلى:

أ: طريقة أداء اللفظ القرآني: كما في المدود، وفي الهمز والتسهيل، والفتح والإمالة وغيرها،

ب: اختلاف القراءات من ناحية المعنى:

بحيث يكون معنى القراءة الأولى يخالف معنى القراءة الثانية، مثل قراءة (ننشزها، ننشرها) من قوله تعالى:﴿َوٱنظُر إِلَى ِٱلۡعِظَام كَيۡف نشِزُهَا ثُم َّ نَكۡسُوهَا لَحۡما ﴾ [البقرة:259]، فمعنى (ننشزها) بالزاي نرفعها،

ومن قرأ (ننشرها) بالراء، فالمعنى فيه كيف نحييها، ومع ذلك لا وجود للتناقض بين المعنيين، فكلاهما مكمل للآخر، لأن نشوز العظام ورفعها هو استعداد لنشورها وإحياءها.

. ومن أمثلة ذلك ما مر في حمل القراءتين على المعنى الأشمل: لما فيه من إعمالهما معا: كما في قوله تعالى :{ولا تقربوهن حتى يطهرن} وردت بالشدة من فعل المرأة، وبلا شد من فعل الرب.

فقرأ حمزة والكسائي وخلف وشعبة {يطّهّرن} بالتشديد فيهما، أي أن فعل التطهّر صادر من المرأة وهو الاغتسال، ومن المعلوم أنها لا تغتسل إلا بعد أن تطهر من الله تعالى، فيكون هذا التطهر والاغتسال هو المعنى الأشمل بين القراءتين، ثم يتم الاقتراب منهن كما هو مذهب الجمهور.

قالوا: فتكون الآية بعدها: {فإذا تطهرن فاتوهن} إنما تكون مؤكدة للشرط السابق. 

وقرأ الباقي {يطْهُرن} أي من فعل ربهن بهن، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وبالتالي إذا ذهب عنهن الدم حل غشياهن كما هو قول الحنفية حملا لقراءة التطهر على غسل مكان الحيض.     

لكن هذه القراءة {يطهُرْن} اشترطت انقطاع الدم فقط، والثانية {يطّهّرن} اشترطت التطهر وهو شرط ثان مضاف، فمن عمل به فقد عمل بالأشمل، لما فيه من إضافة شرطين في الذكر، وهو الصحيح، ومع ذلك فيبقى الإشكال في تفسير التطهر.  

فالحنفية يحملون أو يقيدون أحد القراءتين بالأخرى، ويجعلون يطهرن تكفي، ويحملون قراءة الشد على المعنى اللغوي فقط وهو غسل مكان المحيض، ويؤيدون ذلك بقوله عليه السلام للحائض:" ثم خذي فرصة فتطهري بها، .. 

ق4/ ضرورة الرجوع إلى الأصل اللغوي ولغات العرب في التوجيه:

لأن القرآن الكريم نزل بلغتهم، فتوجه القراءة بما تشهد له لغاتهم،

ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُرِد أَن يُضِلَّهۥ ُيَجۡعَلۡ صَدۡرَهۥ ضَيِّقًا حَرَجا كَأَنَّمَا يَصَّعَّد ُ فِي ِۚٱلسَّمَاء﴾ [الأنعام:125]،

قرئت (حرَجا) بفتح الراء وكسرها،

قال الألوسي: بكسر الراء أي شديد الضيق، والباقون بفتحها وصفاً بالمصدر للمبالغة ".

وقال الرازي:" قال بعضهم : الحرِج ، بكسر الراء الضيق ، والحرَج بالفتح جمع حرَجَة، وهو الموضع الكثير الأشجار الذي لا تناله الراعية"،

قال الطبري في تفسيره للآية:" و"الحرج"، أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذه، من شدة ضيقه، وهو ههنا الصدر الذي لا تصل إليه الموعظة، ولا يدخله نور الإيمان، لريْن الشرك عليه، وأصله من "الحرج"، و"الحرج" جمع "حَرَجة"، وهي الشجرة الملتف بها الأشجار، لا يدخل بينها وبينها شيء لشدة التفافها بها ".

كما حدثني المثنى حدثنا الحجاج بن المنهال حدثنا هشيم حدثنا عبد الله بن عمار رجل من أهل اليمن عن أبي الصلت الثقفي: أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قرأ هذه الآية:( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ) بنصب الراء . قال: وقرأ بعض مَنْ عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضَيِّقًا حَرِجًا" . قال صفوان: فقال عمر: ابغوني رجلا من كنانة واجعلوه راعيًا، وليكن مُدْلجيًّا، قال: فأتوه به. فقال له عمر: يا فتى، ما الحرجة ؟ قال: "الحرجة فينا، الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعيةٌ ولا وحشيَّة ولا شيء. قال: فقال عمر: كذلك قلبُ المنافق لا يصل إليه شيء من الخير ".

وهذا المعنى أيضا لا يخرج عن الضيق، لضيق المكان من شدة أشجاره حتى لا يستطيع أحد الدخول فيه، ولذلك استفدنا من القراءتين:

أن الأولى بالكسر {حرِجا} أي ضيقا، حيث تعني جعل صدر الكافر ضيقا مباشرة، ثم تشبيهه بتشبيه واحد بليغ، وهو كونه ضيقا كضيق الذي كلما اصّعد في السماء ضاق عليه النفس.  

واستفدنا من قراءة الفتح {حرَجا} زيادة في المعنى التشبيهي: حيث شبه اللهُ صدرَ الضال بتشبيهين لا يخرجان عن معنى الضيق:

أولاهما تشبيه بليغ، وهو تشبيه الصدر الضيق للضال، بالمتصاعد في السماء، حيث يضيق عليه نفسه كلما تصاعد في السماء، وهذا من أقوى أنواع الإعجاز والتشبيه، لأنه يقتصر على الطرفين الأساسيين لإظهار شدة المماثلة،

والثاني: تشبيه تمثيلي: حيث شبه صورة الضال الأولى، بصورة أخرى، وهي الــمُـــتصاعد في السماء، بإدغام تاء الافتعال، {يَصّعد}..

وكلا القراءتين لا تخرجان عن معنى الضيق مباشرة، أو التشبيه به، ولذلك قوى ابن عباس قراءة الفتح بنظائرها من المباني مع المعاني الداخلة تحت الضيق، بقوله تعالى في آية أخرى: {من حَرَج}

 كما خرج الطبري عن ابن عباس:(ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرَجًا)، يقول: من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقًا، والإسلام واسع. وذلك حين يقول:( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ )، [سورة الحج:78]، يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق".

ومن أمثلة الرجوع إلى اللغة:

قوله تعالى : ﴿ ۚۡهُنَالِك َ تَبۡلُوا ْ كُل ُّ نَفۡس مَّا أَسۡلَفَت﴾ [يونس:30] ،

فقد قرئت (تبلوا) بالباء، و(تتلوا) بالتاء،

فمن قرأ (تبلوا) بالباء بمعنى: تختبر، ووجهها بالمبنى في قوله تعالى:﴿ِوَبَلَوۡنَٰهُم بٱلۡحَسَنَٰتَ وٱلسَّيِات﴾ [الأعراف:168]، أي: اختبرناهم،

ومن قرأ (تتلوا) فهي من التلاوة وهي القراءة، ووجهها بالمعاني كما في قوله تعالى { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) }[الإسراء]

ق 4/ ليس كل ما يجوز في اللغة العربية من وجوه لغوية يجوز بالضرورة في القراءات، لأنها توقيفية:

إذا تقرر بلزوم الرجوع إلى لغة العرب في توجيه القراآت، فلا يعني هذا كون اللغة هي الأصل، كما لا يعني أنه ما يجوز في اللغة يجوز في القرآن، لمراعاة القاعدة الأولى، وهي أن الأصل في القراآت التوقيف، وما يعدها من توجيهات فإنما هو خادم لها مقو لأوجهها. 

مثال: إبدال العرب بين الضاد والظاء في بعض الكلمات، 

أو إضافة العرب للهمزة في المد الكلمي المثقل، كقول الشاعر:

وللأرض أما سودها فتجللت...بياضًا وأما بِيضُها فادْهَأَمَّت

أي: ادهآمّت أو ادهأمت، بمعنى اشتدت خضرتها جدا، فصارت داكنة كالسوداء، وهذا النطق جائز في اللغة، لكن لا يلزم منه جوازه في القرآن، كما في قوله تعالى {مدهآمََتان} {الضآلّين}، فلا تقل: الضألين مدهأمتان.. بالهمز. ...   

. ومن أمثلة ذلك كذلك: القاعدة اللغوية التي ذكرها ابن مالك: وهي إضافة هاء السكت، عند الوقف على الفعل المعتل الأخير الثلاثي فأكثر، أو الذي يتكوّن أمره من حرف، مثال:" عِ عِه "، قِ... قِه، قال ابن مالك في ألفيته:

وقف بها السكت على الفعل المعل ... بحذف آخر كأعط من سأل

وليس حتمًا في سوى ما كعِ أو ... كيعِ مجزومًا فراع ما رعوا

يصح في اللغة في:

أ:  الفعل الثلاثي المعتل الأخير فأكثر، التوقف على هاء السكت أو حذفها سواء في المضارع أو الأمر، مثل قولك في الأمر: أَعطِ أو أَعطه، وفي المضارع: لم يعطِ، لم يعطه..

ب: وأما المعتل اللفيف المتكون من حرف في أمره: فيلزم الوقوف بهاء السكت لغة، مثل:

وقى يقي قِ، فتقول: قِه // وعى يعي عِ ... عه // وفى يوفي فِ فه، أو : أوفِ بنذرك، أو وفِّ بنذرك ... 

لكن لا يلزم من ذلك جوازه في القرآن:  

1/ مثال الفعل المعتل في أكثر من ثلاثة أحرف في القرآن :

أ: سواء أكان في المصارع مثل قوله تعالى: {لم يتسنه} فهنا وردت بهاء السكت كتابة ونطقا،

بينما في قوله: { ولم يخش}، فلم يكتبوها في القرآن، وأما التوقف بالهاء، فالعرب يتوقفون بها على هاء السكت " يخشه "، لكن هل نتوقف عليها في القرآن كذلك؟

لا بد من توقيف.  

وفي قوله تعالى: {لم أك بغيا} لا تستطيع إضافة الهاء كتابة في القرآن " لم أكُه"، وكذلك لا نتوقف بذكرها، خلافا للعربية. 

وكذلك في قوله تعالى {ومن تق السيئات}، لا نكتب: " تقه "، وكذلك لا ننطق بالهاء عند الوقف. 

ب: وكذلك في فعل الأمر كقوله تعالى {فبهداهم اقتدهْ} [الأنعام 90].

وقوله {قالوا أرجهْ} بالسكون في قراءة حمزة..، فهنا ورد القرآن بقراءتها كذلك..

فكل ما صح في القراءة فهو جائز في اللغة، غير أن ما جاز في اللغة لا يلزم أن يكون قرآنا مقروءا.

قال االرازي:" وقد اختلف القراء في إثبات الهاء في الوصل من قوله { لَمْ يَتَسَنَّهْ } و { اقتده } و {مَالِيَهْ } و { سلطانيه } و { ماهيه } بعد أن اتفقوا على إثباتها في الوقف ، فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم هذه الحروف كلها بإثبات الهاء في الوصل ، وكان حمزة يحذفهن في الوصل وكان الكسائي يحذف الهاء في الوصل من قوله { وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } و { اقتده } ويثبتها في الوصل في الباقي ولم يختلفوا في قوله { لَمْ أُوتَ كتابيه وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ } [ الحاقة : 25 ، 26 ] أنها بالهاء في الوصل والوقف..".

ق5/ قاعدة الاستدلال بالنظائر من الآيات القرآنية، لتقوية وجه القراءة وبيان علته:

من أهم قواعد التوجيه حمل الشبيه على شبيهه، والقراءة على نظائرها في القرآن؛ لأن الأشباه والنظائر يقوي بعضها بعضا ويتممه،

مثال ذلك قوله تعالى { والله ُّيَقُصُّ ٱلۡحَقَّ وَهُو َخَير الۡفَٰصِلِين﴾ [الأنعام 57]

فقرأ أبو جعفر وابن كثير ونافع وعاصم (يقص) بالصاد، من القصص.

وقرأ الباقون {يقض} بالضاد من غير رسم الياء، من القضاء،

مما يقوي قراءة القاف من التوجيه بالنظائر والمباني قوله تعالى: ﴿ َنَحۡن ُنَقُص ُّعَلَيۡك أَحۡسَن ِٱلۡقَصَص﴾ [يوسف:03] وقوله { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ}[النمل76]

ومما يقوي قراءة القاف: { وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ}[غافر 20]، وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ }

ومن ذلك قوله تعالى {خشعا أبصارهم} [القمر7] نصبا على الحال، قرأ أبو عمرو وحزة والكسائي {خاشعة}. نظيرها قوله تعالى: ﴿ ًخَٰشِعَةۡ أَبۡصَٰرُهُم ۡتَرۡهَقُهُم ذِلَّة﴾

 

 

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿ َخُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُم يَخۡرُجُون مِن الأَجۡدَاث ﴾ [القمر:7]

حيث قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف {خاشعةً} بالفتح ثم الألف مع التاء، وروي {خاشعا} بغير تاء، وقرأ الباقون {خُشَّعا} نصبا على الحال. 

أما من قرأ {خاشعة} فقد قوى قراءته بالمباني والمعاني معا كما في قوله تعالى {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [القلم 43]. و [المعارج 44]. وقوله { أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9)} [النازعات]

وقوله { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2)} [الغاشية].

وأما من قرأ {خُشَّعا}، فلم يجد في النظائر، لكن في الأشباه فقط كما في قوله تعالى :{ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا} [الأعراف63].

ق6/ كل وجه إعرابي يصلح به المعنى ويستقيم، فهو جائز، وما يفسُد به المعنى أو يُخِل به، فهو مرفوض مردود غير مُلتفَت إليه:

حيث يصح في اللغة أن تكون الكلمة الواحدة محتملة لعدة أنواع من الإعراب، وتكون كلها صحيحة،

مثال ذلك قوله تعالى:﴿ َوَٱلَّذِين يُتَوَفَّوۡن مِنكُم وَيَذَرُون َأَزۡوَاجا، وَصِيَّة لأَِزۡواجِهِم ﴾ [البقرة:240]،

والشاهد في قوله: (وصية) وردت بالرفع والنصب،  

فمن قرأ بالنصب: {وصيةً} على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: يُوصُون وصيةً.

أو هي مفعول به لفعل محذوف تقديره: يكتبوا ونحوه.

ومن قرأ بالرفع: فعلى أنها إما مبتدأ ثان، لأنها وإن كانت نكرة، فهي معرفة موصوفة تقديرا، ويكون خبرها محذوف تقديره: الوصية لازمة عليهم...

والأولى أن يقال: أنها خبر لقوله {والذين يتوفون ..}

او خبر لمبتدإ محذوف تقديره: حكمهم وصيةٌ.  

أو أنها خبر مقدم، لمبتدإ تقديره: اللازم عليهم وصية.

أو هي: نائب فاعل لفعل مقدر : كتب عليكم ...

. ومن ذلك قوله تعالى : {تساءلون به والأرحامَِ}

بالنصب: وذلك بإضمار فعل محذوف، عطفا على "واتقوا اللهَ: واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها.

. بالرفع: وذلك على الابتداء، فيكون الخبر مقدرا تقديره : والأرحام ُمتقاةٌ أو أهلٌ أن توصل.

. بالخفض: كقول الشخص :" أسألك بالله وبالرحمِ ".

وهذا الآية بالخفض، من باب عطف الظاهر على الضمير المجرور المتصل، وهو جائز لغة على الصحيح، ثابت قرآنا، ولا معنى لقول من قال بمنعه فيهما،

وتقدير الآية: تساءلون به وبالأرحام،  وذلك كقولك: أناشدك أو أسألك بالله وبالرحم ".

قاله ابن عباس وإبراهيم والحسن،

. وليس هذا من باب الدعاء ولا القسم،

وعليه يجوز أن تتوسط إلى الله بالعمل الصالح والذي أشرفه: صلة الرحم.

ثم اعلم أنه يجوز لغة حذف تكرار حرف الجر {به والأرحامِ}

. استئناسا بقوله {وامسحوا برؤوسكم وأرجلَِـكم} وإن كانت هنا من عطف الظاهر على الظاهر لا الضمير.

. وكذلك أجازوا عطف الظاهر على الضمير المنصوب كما في قوله تعالى {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا} أي أعيذ مريمَ وذريتَها بالله.

" رأيتكَ وعليًّا ".

. ومن نظائرها في الرفع: عطف الضمير المرفوع على الاسم الظاهر: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونـَهَا وَ[مَنْ صَلَحَ] } الجملة معطوفة على الضمير المستتر يمعنى: يدخلون هم، وأبناؤُهم. 

ومن نظائر عطف الضمير المنفصل على الظاهر: {  لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ  }

. ومن هذه الأدلة نعلم جواز عطف الضمير على الاسم الظاهر، نصبا وروفعا وجرا كما قال الشاعر:

 " فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ

وسيأتي مزيد بيان في فرشية هذه الآية في آخر مبحث.

ومن ههنا نعلم بأن قراءة الخفض حجة بنفسها، وإن كانت من باب عطف الظاهر على الضمير المجرور المتصل، وهو جائز لغة على الصحيح، ثابت قرآنا، ولا معنى لقول من قال بمنعه فيهما، وهو ما توضحه أكثر القاعدة التالية:

ق7/ كل ّ ترجيح يفضي إلى نفي قراءة متواترة أو إلغائها، فهو مرفوض، إذ المتواتر قطعي الثبوت، فلا يبطل بترجيحات اجتهادية ولا لغوية:

مر أن الجمع والإعمال، أولى من التعطيل والإهمال، خاصة في كلام الله جل في علاه، فمن مال إلى ترجيح قراءة متواترة على قراءة متواترة أخرى، فقد ارتكب منكرا من القول وزورا، إن علم بصحة الرواية وثبتت عنده، ولذلك تجد بعض المفسرين كالإمام الطبري وغيره من المتقدمين، يرجح بعض الروايات على الأخرى، وربما يضعف الأخرى بمخالفتها قواعد اللغة والنحو ونحو ذلك، فعذر هذا الإمام وأمثاله أنه لم تثبت القراءة عنده، أو اعتقد بشذوذها، لأنهم تكلموا على ذلك قبل ظهور القراء السبع وبيان أسانيدهم  المتواترة.

وأما من أقيمت عليه الحجة بتواترها ثم أنكر أحدها مصرا على الترجيح بينها، فقد خالف سبيل المؤمنين..، ولو أقر بأحد القراءتين،

وأما من أنكر القراءتين معا بدعوى تعارضهما فقد عطل نصا من القرآن، وخرج من ربقة الإسلام.  

ولو رجعنا للمثال السابق في قوله تعالى {به والأرحام} نجد الإمام الرازي يتعجب من منكريها بدعوى مخالفتها لقواعد النحو، حيث قال " والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مَع أَنَّهُمَا كَانَا من أكابر علماء السلف في علم القرآن"،

وفي هذا يقول الإمام ثعلب: " إذا اختلف الإِعراب في القرآن عن السبعة لم أفضِّل ْ إعرابا ً على إعراب في القرآن، فإذا خرجت إلى الكلام كلام ِ الناس فضّلت الأقوى"،

 

 

ق8/ قاعدة الاستدلال بالأشباه والنظائر من الآيات القرآنية لتقوية وجه القراءة وبيان علته

إن أشرف أنواع التفسير هي تفسير القرآن بعضه ببعض، فيدخل في ذلك تفسير قراءة بقراءة كما بيناه في كتاب التفسير بالغريب...، وبالتالي يستأنس بالأشباه والنظائر، لتقوية وجه القراءة وبيان علّتها، وذلك بأن يُحمل وجه القراءة على ما شابهه في مواضع أخرى من القرآن؛ كما بينا في أنواع التفسير وتوجيه القرآن إما من المباني كالنظائر والأشباه، وإما من المعاني... 

مثال النظائر:

ما جاء في قوله تعالى:﴿ ُّيَقُصَّ ٱلۡحَق وَهُو خَيۡر َٱلۡفَٰصِلِين﴾ [الأنعام 57].

حيث قرأ ابن كثير ونافع وعاصم (يقص) بالصاد، وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر والكسائي (يقض) بالضاد،

فمن النظائر لقراءة الصاد ولو كانت كل آية تتحدث عن موضوع معين، قوله تعالى:﴿ َنَحۡن ُنَقُص ُّعَلَيۡكَ أَحۡسَن ِٱلۡقَصَص﴾يوسف:03،

ومن النظائر لقراءة الضاد قوله تعالى { وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ } { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}

. ومن أمثلة ذلك ما جاء في قوله تعالى:﴿ َخُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُم يَخۡرُجُون مِن ِٱلأَجۡدَاث...﴾ [القمر:7]،

حيث اختلف القراء في قراءة (خشعا)،

قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف، بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين مخففة (خَاشِعَة)

وقرأ الباقون بضم الخاء وفتح الشين وتشديدها بلا ألف (خُشَّعا).

فقد قوى الأولون قراءتهم بنظيرتها في قوله:﴿ ًخَٰشِعَةۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُم ذِلَّة﴾ [القلم:43]، وقد اتد المبنى وتشابه المعنى، وهذا من أرفع أنواع التوجيه بالنظائر.

وأما الآخرون فقووا قراءتهم بأشباهها في الوزن كقوله تعالى {يوم سبتهم شُرَّعا}.

. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في قصة موسى ﴿ْٱهۡبِطُواۡۗۡ مِصۡرا فَإِن َّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُم﴾ [البقرة:61]  بصيغة النكرة لتعم أي مصر.

فوجهوا قراءتهم بالمعاني فقط، وهي دخول أي مصر من الأمصار، حتى يتحقق لهم ما أرادوا...

وقرأ بعضهم بلا تنوين {مصرَ} وهي البلد المعروف.

فأما الآخرون {مصرَ} فوجهوا قراءتهم بالنظائر، ولو مع اختلاف المعنى والمحمل وزمن القصة بقوله تعال {َوَقال ادۡخُلُواَ مِصۡرَ إِن شَاء َُّّالله َءَامِنِين﴾ [يوسف:99]، وبالتالي لا تكون التقوية هنا خادمة للتفسير والمعنى بنفسها، بل هي خادمة للمبنى، مع الاستئناس بالمعنى وحمل الآية على أرض مصر.

 

 

المطلب الخامس: علاقة علم توجيه القراآت بالعلوم الأخرى:

هذا وقد نقوي القراءة بعدة أنواع من العلوم، إذ تعتبر كلها خادمة لكلام الله تعالى وأحرفه، وهذه هي العلاقة التضمنية، فكل العلوم الشرعية تتضمن خدمة كتاب الله تعالى ولا بد:

المسألة الأولى: علاقته بعلوم القراءات

هي علاقة تضمنية، إذ يعتبر علم التوجيه، جزءا أساسيا من أجزاء علوم القراءات، فهو علم يستقصي القراء، ومن قرأ بتلك القراءة، وتوجيه قراءته بالمباني والمعاني والنظائر من مختلف قراآت القرآن الكريم كما سيتبين بأمثلته في غضون هذا البحث.

فمن ذلك ما سيأتي في قوله تعالى عن حواره مع نبيه عيسى {قال هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة 119]. بالنصب على أنه محمول في الدنيا وبعد الرفع لربه، وبالرفع محمول على أن الحوار يوم القيامة.

حيث يوضح هذا العلم كل رواية من ناحية المعنى والمبنى والتعليل، وذكر الحجج من النظائر لكل قراءة لتقويتها.

المسألة الثانية: علاقته بعلم التفسير

هي علاقة تضمنية واندماجية، إذ يعتبر تبيين أوجه القراءة وتوجيهها جزءا لا يتجزأ من تفسير الآيات، لما فيه من كشف لمعاني جديدة لكلام الله تعالى في ضوء اختلاف القراءات وتوجيهاتها من سائر الآيات خاصة فيما يتعلق بتفسير القرآن الكريم بالقرآن، وبالأخص تفسير قراءة أو رواية بقراءة أخرى.

كأن تفسر قوله تعالى {والعهن المنفوش} بقراءة {والصوف المنفوش} وتفسر {صيحة واحدة} ب {زقية واحدة}، وتفسر قوله {حتى يطَّهَّرْن} بما بعدها {فإذا تطهَّرن}... 

المسألة الثالثة: علاقته بعلوم القرآن:

 هي علاقة التضمن والجزء من الكل، حيث يندرج علم التوجيه تحت لواء مباحث علوم القرآن، خاصة فيما يتعلق بأسباب نزول الآيات، والجمع بين القراءات، وفهم الفروق الدقيقة بينها.

المسألة الرابعة: علاقته باللغة العربية:

هي علاقة الكلية، الكل من الكل، بحيث لا تخلو قراءة أو حرف أو إعراب أو حتى سكت، من معنى لغوي دقيق، حيث ترتبط القراءات وتوجيهاتها، بقواعد النحو والصرف والبلاغة، لتأكيد صحة كل قراءة، كما سيأتي في توجيه قراءة قوله تعالى :{َامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَـِـكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ }[المائدة 6] وردت بنصب اللام وجرها، ولكل منهما توجيهاته اللغوية والفقهية.

وقوله تعالى {فتبسم ضاحكا} على أنه حال منصوب، أو قراءة {ضحكا} على أنه مفعول مطلق لمصدر الضحك، فيكون التبسم من جنس الضحك المبطل للصلاة كما هو مذهب الظاهرية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المطلب السادس: أهمية علم توجيه القراءات وأسباب ظهوره:

لعلم توجيه القراآت أهمية كبيرة وآثار إيجابية النفع على جميع المجالات الدينية، ومستويات الحياة الإنسانية، وذلك كالتالي:

      الجانب الديني:

      نيل الرضوان، وتقوية الإيمان، والصلة بالرحمن، وزيادة الأجر والفهم للقرآن ..

      تسهيل حفظ كلام الله تعالى، حفظَ صدر وحفظ سطر، كل يقرأ على حسب لسانه، مثل قراءة الفتح في الألف المقصورة {والضحى} وبالإمالة، ومعرفة نظائرها بالإمالة والفتح {إذا هوى .. غوى..}

      الدفاع عن القرآن الكريم، والانتصار لأحرفه المختلفة، وللقراء الذي قرأوا بتلك الأحرف، مثل كتاب الانتصار لحمزة، لأبي البقاء. 

      الكشف عن كل المعاني الصريحة والمحتملة في الآيات، من خلال القراآت التي وردت بها.

      المحافظة على كتاب الله تعالى، والقدرة على تمييز القراآت والنظائر المتواترة والصحيحة من الشاذة،

      . تبيان إعجاز القرآن الكريم، وتنوع كلماته، وسعة مدلولاتها ونظائرها، وتوسيع معانيها باللفظ الواحد المتشابه في الرسم المختلف في الشكل والمعنى  ... كقوله {فأزلّهما} بمعنى أدخلهما الشيطان في الزلل وهو الخطيئة، مثل:{فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ} [البقرة209]

وقراءة {فأزالهما} بالتخفيف من الزوال وهو التنحية من الجنة{اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} 

وكلا الفعلين بهمزة التعدية، لأنهما من فعل الشيطان..

       التعرف على كيفية ربط القرآن بعضه ببعض، وتقوية آياته وأحرفه ببعض، كتقوية قراءة الشد "تسّاءلون" بقراءة الشد "تظّاهرون". وتقوية قراءة التخفيف بقوله {يتساءلون}.

      . التعرف على كيفية ربط أحرف القرآن بالتفسير بالمأثور والمعقول كتفسير قراءة {بفاحشة مبينة} بالكسر اسم فاعل لفعل لازم . : تبينت الفاحشة، فهي صفة متجددة متبيِّنة في نفسها مثل قوله {تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} .وبالفتح: على اسم المفعول: بأن يبينها الله تعالى {من بعد ما بيّناه}،    

      الجمع بين آيات الله تعالى، وأحرفه جميعا، وتبيين محاملها، وتوسيع معانيها، باختلاف قراآتها: 

      ومن أمثلة ذلك قوله تعالى { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ ... إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ... قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة 119].

      متى كان هذا الحوار؟ هل في الدنيا ؟ أم بعد الرفع ؟ أم يوم القيامة؟

      فمن زعم بأنه في الدنيا أو بعد الرفع: استدل بقراءة النصب {هذا يومَ} بتقدير هذا التعذيبُ أو المغفرةُ سيكون يومَ القيامة...إضافة إلى تأويل الآية قبلها {إن كنت (قلتُه)} على أنها جملة فعلية في محل نصب خبر كان، والتقدير: إن كنت قائلاً له، أو نعربه إفرادا " قلته: فعل ماضي مبني على السكون لاتصاله بالتاء، وهو في محل جزم، والتقدير: إن أكنْ أقلْه فأنت تعلمه. 

      وأما من قرأ بالرفع: {هذا يومُ} فلأن يومُ بدل من هذا، إشارة إلى هذا اليوم وهو يوم الدين، وتكون الجملة السابقة باقية على أصلها الماضي في الدنيا {إن كنت قلته فقد علمته} أي سابقا. 

      ويكون هذا الحوار تبكيتا للنصارى ورفع الحجة عنهم.

      ثم نقوي قراءة الرفع، بقوله تعالى { وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21)}[الصافات]

      وقوله { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35).... هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ} [المرسلات]

      ولا ينبغي ضرب قراءة بقراءة، بل يجب توسيع معاني كلام الله، وبيان بلاغته بحمله على كل المعاني بكلمة واحدة فقط، بقراءتين. 

      الجانب الفردي:

      شعور القارئ والدارس بالسعادة والاطمئنان، بمدارسة القرآن ومعرفة توجيهاته

      تهذيب العقل وتثقيف النفس وتزكيتها بالقرآن...

      الجانب العلمي واللغوي:

      ضبط الأشباه والنظائر من حيث اللغة والمباني، والإعراب والمعاني، حتى لا تلتبس ببعض.

      بيان إعجاز القرآن الكريم وتثبيته، بتبيين كثرة أشباهه ونظائره . 

      الاضط لاع على اللغة العربية، لغة القرآن، بمختلف لهجاتها وحروفها، فهما وإعرابا وصرفا وتوجيها، من أجل ترسيخ حفظه،

      معرفة معاني غريب القرآن من خلال مقارنتها بقرائنها {ننشزها} هي {ننشرها} حيث نعرف معنى قراءة الزاي من قوله {وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ} فالنشوز هو الترفع،

      وأما بالراء {ننشرها} مثل: {فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} {يوم النشور} فهو الإخراج والانتشار في الآخرة. 

      قال الإمام ابن مجاهد: ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذه ليس عنده إلا الأداء لما تعلم، لا يعرف الإعراب ولا غيره، فذلك الحافظ لا يلبث مثله أن ينسى إذا طال عهده، فيضيع الإعراب لشدة تشابهه وكثرة فتحه وضمه وكسره في الآية الواحدة، لأنه لا يعتمد على علم بالعربية ولا بصر بالمعاني ويرجع إليه بشدة اعتماده على حفظه وسماعه، وقد ينسى الحافظ في ضيع السماع فتشبه عليه الحروف فيقرأ بلحن لا يعرفه ".

      . بيان معاني القراءات القرآنية من خلال فهمها وتوجيهها وتوسّع مدلولاتها، مما يزيدها ثراءً وعمقًا ويدفع الإشكال عن بعضها فتتضح أكثر كقراءة {أُخفيها} بالضم أي أكاد أسترها حتى عن نفسي مبالغة {تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى }.

      وبالنصب بهمزة السلب {أَخفيها} أظهرها، مثل قوله تعالى: {أسروا الندامة} أظهروها.

وقوله: {أسروا النجوى} بمعنى أن الاستهزاء بدأ سرا في مجالسهم، ثم أظهروه إلى العلن في مجامعهم، جمعا بين معنيي: السر والإظهار بهمزة السلب.

      الجانب الفقهي:

      فهم الفقه الإسلامي وأحكامه العملية والعلمية..

      وذلك كقوله تعالى :{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَـِـكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ }[المائدة 6] وردت بنصب اللام وجرها، ولكل منهما توجيهاته اللغوية والفقهية.

ذلك أن قراءة النصب {أرجلَكم} عاملها هو فعل {اغسلوا} ومعطوفها هو {وجوهَكم}

وأما قراءة الكسر {أرجلِكم} عامله هو الفعل {امسحوا} ومعطوفها هو {رؤوسِكم}، مثل قراءة الكسر في قوله تعالى {اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ} وقد اجتمعا في التعدية بحذف حرف الجر [بِ]

      ومن ذلك قوله تعالى {فتبسم ضاحكا} على أنه حال منصوب وقد استدل بها من يرى أن التبسم غير الضحك، فلا يبطل الصلاة، ومن أقسم ألا يضحك اليوم ثم ابتسم فلا يحنث. 

      وقرئ {ضحكا} على أنه مفعول مطلق لمصدر الضحك، فيكون التبسم من جنس الضحك المبطل للصلاة والموجب للحنث كما هو مذهب الظاهرية

      {حتى يطهُرن} بفعل الله، {يطّهّرن} بفعلهن وهو الغسل، 

الجانب الثقافي:

. الدفاع عن القراءات القرآنية ضد الشبهات الاستشراقية والحداثية والعلمانية، وذلك من خلال تأكيدها وبيان توجيهاتها اللغوية والمعنوية وبيان عدم وجود اختلاف التضاد فيها.

      مناقشة الشبهات الموجودة والمحتملة حتى تندفع ويزول الغموض عن بعض القراءات الربانية.

      كقوله تعالى عن يوم القيامة : { هنالك تبلو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ }، و:{تتلوا}، فقد يرُدُّ أحدٌ  قراءة {تبلو} بشبهة أن الآخرة دار جزاء لا ابتلاء، والجواب: هو حمل البلاء على ذاك الموقف الصعب أمام الرب، حيث  تعلم كل نفس ما قدمت وهذا أصعب بلاء على الإطلاق، ويقويه من الأشباه قوله تعالى مثل قوله تعالى {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} (آل عمران: 30)، و{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} (الكهف: 49)، و{يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} (الزلزلة: 8)}[]. 

      وأما القراءة الثانية {تتلو} بمعنى تقرأ كتابها، وكلاهما كائن يوم القيامة، قال تعالى { اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) } {هاؤم اقرأوا كتابيه} ... 

      وفي هذا يقول الإمام ابن الجزري:" أنه يجب على المشتغل بالقراءات أن يعلم من الأصول قدر ما يندفع به شبهة من يطعن في بعض القراءات".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المبحث الثاني: أقسام علم توجيه القراءات:

تتنوع التوجيهات العلمية للاحتجاج للقراآت الربانية، من جهة المباني والمعاني، 

القسم الأول: توجيه القراآت بالمعاني، وأنواعها:

هو التعليل لقراءة ما، بأحد معانيها الموافقة للتفسير إما بالمأثور أو المعقول.

فأما المأثور: فهو توجيه معاني كلام الله تعالى أو أحرفه، بكلامه هو، ثم بكلام نبيه، فالسلف الصالحين، وما وافق اللغة العربية بمختلف علومها.

 وذلك بالاعتماد على أدوات التفسير وقواعده، وأسباب النزول ومعرفة المناسبات بين السور والآيات، وطريقة رسم المصحف العثماني،

وهذه القواعد تدعم التوجيه المعنوي وحتى اللغوي للقراءة وتوضحه وبيان ذلك في الأمثلة التالية:

المسألة الأولى: توجيه القراءة بغيرها من أحرف أو آي القرآن:

فإن ما أجمل من كلماته أو أحرفه في موضع، فقد فسرت في آخر، وما أطلقت في مكان قيدت في آخر، وخير ما فُسر به كلام الله، أو وُجهت به حروفه، هو كلام الله نفسه جل في علوه، فهو أعلم بمراده، ولذلك ينبغي أن تُجعل قراآته يتمم بعضها بعضا ويفسره، لا أن تُضرب بعض آياته ببعض لإبطالها أو إبطال بعضها أو تأويلها.

الفرع الأول: توجيه القراءة استنادا إلى المناسبات بينها:

كما في قوله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)} [آل عمران: 180]

قال الفارسي: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {والله بما يعملون خبير} بالياء، وقرأ الباقون بالتاء،

قال أبو على: القول في ذلك أن من قرأ بالياء أتبعه ما قبله وهو على الغبية وذلك قوله: (سَيُطَوقون) من منعهم الحقوق من أموالهم فيجازيهم عليه،

ومن قرأ بالتاء فلأن قبله خطابا وهو قوله تعالى: {وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا }

ومن ذلك قوله تعالى : {فنادته الملائكة} وقرئت {فناداه الملائكة}

الفرع الثاني: توجيه المعنى بالسياق:

وذلك كقوله تعالى :{ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } {يعملون}، فالخطاب الأول، للمخاطب بتاء الخطاب، والخطاب الثاني بياء الغائب، لكل غائب سابق أو لاحق، وفي كليهما الخطاب موجه للجميع، إذ الله تعالى لا يغفل البتة أبدا عن أعمال المتقدمين، ولا أعمال الحاليين ولا المتأخرين.

الفرع الثالث: توجيه القراءة استنادا إلى رسم المصحف:

من فوائده التفريق في التاء بين السكت بالهاء في التاء المربوطة، والسكت بالتاء المهموسة في التاء المفتوحة، إضافة إلى توسيع المعنى مثل {ابتغاء مرضات الله} تعبيرا عن إرادة وطلب كثرة الرضا.  

{تَبْتَغِي مَرْضَاتَ}.

وقال تعالى :{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) }[البقرة].

وهذا الرسم الإملائي (التاء المفتوحة) يتبع لغة بعض العرب الذين يقفون عليها بالتاء لا بالهاء للدلالة على الاتساع والتحقق.

فقد وقف الكسائي وحمزة بتاء السكت في قوله تعالى {مرضات} موافقة لرسم المصحف العثماني بالتاء المفتوحة.

ووقف باقي السبعة بهاء السكت مردا إلى أصلها، وهو التاء المربوطة مثل " حياة. الحياة. الصلاة، تقاة، توراة ، مزجاة.. .  

قال المهدوي في توجيهها :" من وقف على شيء من هذا الجنس بالهاء (ة) فإن رد ذلك إلى أصله، وإنما انقلبت هاء التأنيث تاء في الإدراج، فإذا وقف وجب أن ترد إلى أصلها، ومن وقف بالتاء فإنه اتبع خط المصحف وذلك أيضا لغة طيء، حكي عن بعضهم:" رأيتُ طلحت، ومررتُ بطلحت وحمزت".

وكذلك كتبوا كل امرأة متزوجة بالتاء المفتوحة {امرأت نوح...} إشارة إلى فتحها بالزواج، وأما الغير متزوجة فكتبوها بالتاء المربوطة {وامرأة مؤمنة}...

ومن فوائده المعنوية توسيع المعنى، مثال ذلك قوله تعالى { رحمت الله}

فقد كتبوها بالتاء المربوطة (رحمة) في أكثر المواطن، ذكروا أن حكمة ذلك إشارة إلى الرحمة المحدودة إما السابقة أو المستقبلية المرجوة أو الموعودة أو المدعو بها لتحقيقها مستقبلا.

مثل قوله: { وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً }[آل عمران8] في المآل، وكذلك: 

وقوله: { ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ} [آل عمران] ، فهي في المآل كما أنها خاصة وهي الجنة.

وقوله { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ}[النساء 175] في المستقبل.

{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } [آل عمران159] أي رحمة سابقة، وهي خاصة يلقيها الله في قلب أنبيائه وأتباعهم حتى لا يعنفوا المشركين كما قال تعالى { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) } [الأنفال] .

قال الألوسي عن الرحمة السابقة:" ولعل المراد بهذه الرحمة ربطه سبحانه وتعالى على جأشه صلى الله عليه وسلم وتخصيصه له بمكارم الأخلاق ، وجعل الرفق ولين الجانب مسبباً عن ربط الجأش لأن من ملك نفسه عند الغضب كان كامل الشجاعة . قيل : وأفاد الكلام في هذا المقام فائدتين : إحداهما : ما يدل على شجاعته صلى الله عليه وسلم ، والثانية : ما يدل على رفقه فهو من باب التكميل ، وقد اجتمعت فيه صلى الله عليه وسلم هاتان الصفتان يوم أحد حيث ثبت حتى كر عليه أصحابه مع أنه عراه ما عراه ثم ما زجرهم ولا عنفهم على الفرار بل آساهم في الغم .

{ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً } أي خشن الجانب شرس الأخلاق جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً { غَلِيظَ القلب } أي قاسيه ، وقال الكلبي : فظاً في الأقوال غليظ القلب في الأفعال، وذكر بعضهم أن الفظ سيء الخلق في الأمور الظاهرة من الأقوال والأفعال، وغليظ القلب السيء في الأمور الباطنة "،

وفي قوله : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً } [يونس21] في المستقبل، والرحمة هنا خاصة وهي هي تفريج الكرب والشفاء ورفع الضر. .

لكن في قوله: { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} [الإسراء 28] في الحال والمآل، فهو نكرة في سياق الإثبات فيعم،

والجواب: أن "رحمة "، لفظ مطلق، فهو بدلي العموم من جهة، كما أنه يراد به هنا رحمة خاصة وهي ابتغاء الرزق وتكثير المال، الذي يجعل الإنسان لا يتصدق عن ذوي القربى والمساكين، لأنه قال قبلها { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26)..} ثم أخبر تعالى أن الممتنع من الصدقة إذا أعرض عن الصدقة للآخرين، بسبب ابتغاء الرزق له ولأهله خاصة، فينبغي عليه أن لا ينهر السائل، بل يقول له {قولا ميسورا}، كما قال تعالى :{وأما السائل فلا تنهر}.

وفي قوله: { فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ }[الأنعام 147]، فقد أتت في معرض الرد على المشركين المحرمين لما أحل الله، أو العكس، حيث قال قبلها: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)}

فيكون معنى الرحمة هنا، هي رحمة مؤقتة، وذلك بعدم تعذيبهم مباشرة على ذنوبهم وتحريفهم، لعلهم يسلمون رحمة من الله، كما قال الطاهر بن عاشور في تفسيرها :" تنبيه لهم بأن تأخير العذاب عنهم هو إمهال داخل في رحمة الله رحمة مؤقتة، لعلهم يسلمون ".   

2/ بينما كتبوها بالتاء المفتوحة في القرآن الكريم للتعبير عن سعة رحمة الله الواسعة الحالية الآنية النازلة بالفعل في واقع الناس في سبع مواطن:

. { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ  أولئك يرجون رحمت الله } البقرة: 218. أي يعملون الصالحات، ويؤدون العبادات، بمصاحبة النيات الصالحات، وهي ابتغاء رحمة الله في الدنيا والآخرة، حاليا ومآلا، فهم يرجون رحمة الله الواسعة الواقعة آنيا منذ بداية عملهم المصاحب للنية إلى ما بعده.  

. وكذلك في قوله: { وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إن رحمت الله قريب من المحسنين} الأعراف: 56. فالدعاء مصحوب بنية جلب رحمة الله الواسعة الواقعة آنيا ومآلا.

. وكذلك في قوله: { قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ  رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت } هود: 73]، فإنه قالها استجابة لدعاء نبيه بالولد، فما ولد له حتى الكبر، مما جعل زوجته تتعجب، فأخبره تعالى بأن هذه الاستجابة إنما هي رحمة واقعة الآن بالحمل بإسحاق وولادته، ثم هي مآلية أيضا لأهل بيته في الدنيا والآخرة، وكذلك يفعل الله برحمته بكل عقيم وسقيم كما في قصة زكريا وغيره.    

. ونفس الشيء في قوله تعالى{ ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) } [مريم: ]2.

. { فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى } [الروم50]، وإن كان المراد بها المطر، وهو خاص، لكن آثار المطر واقعة آنيا ومآلا لكل الخلائق شربا وتطهيرا واغتسالا وأنهارا، بل يتعدى ذلك إلى إخراج الأرض الميتة لزروعها وثمارها وخيراتها، بل تعدى ذلك إلى نعليقه بإخراج الأموات من قبورهم يوم القيامة، بأمطار مثل مني الرجال كما في الحديث.

. وكذلك في قوله { وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } [لزخرف: 32]

فقد أرادوا تخصيص رحمة الله بالبشرية، برجل من القريتين، فهي رحمة آنية واقعة بمحمد، أرادوا تخصيصها بمشركين منهم، فأنكر الله تعالى عليهم تخصيص رحمته بمن أرادوا، ثم وسعها لمن شاء، بل ووسعها حتى للمشركين في الرزق والرفعة...    

. وفي قوله: { ورحمت ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 32]

الفرع الرابع: توجيه القراءة استنادا إلى أسباب النزول:

قال تعالى { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }[آل عمران]

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم { أن يَغُلّ» يفتح الباء وضم العين، أي: ما كان لنبي أن يخون أصحابه فيما أفاء الله عليهم،

وحجتهم في ذلك أن النبي ﷺ جمع الغنائم في غزوة، فجاء جماعة من المسلمين، فقالوا: «ألا تقسم بيننا غنائمنا ؟ فقال :«لو أن لكم مثل أحد ذهبا ما منعتكم در هما، أترونني أغلكُم مغنمكم فنزلت « ما كان لنبي أن يَغُل».

. وقرأ الباقون { أن يُغل} بضم الياء وفتح الغين، مبينا للمفعول.

وهي تحمل غير صريح في سبب نزول الآية، وهو نهي الناس عن تخوين النبي عليه السلام، وقسمته الغنائم بين أمته

الفرع الخامس: التوجيه الصوتي الترتيلي للقراءة:

وذلك بالرجوع إلى علوم التجويد كالإدغام والإمالة..، وله أمثلة:  

قال تعالى :{ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }[القرة]

"تظاهرون" مخففة ومشددة، حيث قرأ: عاصم وحمزة الكسائي بالتخفيف، {تظاهرون} وقرأ باقي القراء {تظَّاهرون}

ووجه من خفف، أن الأصل تتظاهرون بتاءين، فمن استثقل تكرير التاء أو الإدغام حذف وخفف،

ووجه من قرأ بالشد: أنه كره حذف التاء، فأدعم التاء الثانية في الظاء الأقوى منها، فزال لفظ التكرير وحسن الإدغام به، لأن تبدل من التاء في الإدغام حرفا أقوى من الثناء وهو الظاء.

ومما يدخل في الصوت الوقف والوصل كقوله تعالى { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ }، فمن وقف على كلمة الله، جعل ذلك من علم الغيب، ومن وقف على قوله {في العلم} جعل أهل العلم عالمين بالمتشابه.

المسألة الثانية: توجيه القراءة استناداً إلى الحديث، وهذا من التفسير بالسنة:

كما في قوله تعالى: {وتصريف الرياح} [البقرة: 164] وقرئت بالتوحيد المفرد {الريح}

وذلك بحمل الرياح على الطيبة المتفرقة الآتية بالبشارة والخير والتلقيح، وحمل الريح على الآتية دفعة واحدة بالدبور والهلاك.   

قال مكي في توجيهه للقراءات في هذه الآية: «قرأ حمزة والكسائي بالتوحيد (الريح)، ووافقهما ابن كثير على التوحيد أيضًا في الأعراف والنمل وفاطر، والثاني من الروم، وقرأ الباقون بالجمع في السبعة (الرياح)، وتفرد نافع بالجمع في إبراهيم والشورى، وتفرد نافع بالجمع في إبراهيم والشورى وتفرد حمرة بالتوحيد في سورة الحجر وتفرد ابن كثير بالتوحيد في سورة الفرقان، ووجه القراءة بالجمع في تصريف الرياح" هو إتيانها من كل جانب، وذلك بمعنى بدل على اختلاف هبوبها فهي رياح لا ريح، لأن الربح الواحدة إنما تأتي من جانب واحد، فكان لفظ الجمع فيها أولى، لتصرفها من جهات فيكون لفظها مطابقا لمعناها في الجمع، وأيضا فإن هذه المواضع أكثرها لغير العذاب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى ريحا هبت «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا "، فعلم أن الريح بالتوحيد أكثر ما تقع في العذاب والعقوبات، وليست هذه المواضع في ذلك، وعلم أن الرياح بالجمع تأتي في الرحمة، فوجب من الحديث أن يقرأ بالجمع إذا ليست للعقوبات ".

قلت: وقراءة المفرد "الريح" ثابتة فلا معنى لردها بهذا التأويل، فتحمل الرياح على سياق امتنان الله على عباده بالرياح الطيبة.

وتحمل قراءة الريح، على الريح العاصف، من باب ذكر قدرة الله تعالى على تصريف هذه الريح القوية، فيصرفها عمن يشاء تنعما، ويصيب بها من يشاء عدلا منه تعالى. 

المسألة الثالثة: توجيه القراءات استنادا إلى القواعد اللغوية:

نزل القرآن بلغة العرب، وبالتالي فأغلب القراءات لا تخرج عن تلك الأسس والقواعد اللغوية، من نحو وصرف وبلاغة وغيرها كما سنوضح:

الفرع الأول: التوجيه النحوي للقراءة :

إن ما يبيّن الصلة الوثيقة بين علم القراءات وعلوم اللغة العربية، هي كون الأئمة والقراء المنبرين لتوجيه القراءات القرآنية كلهم كانوا من أئمة اللغة، فالإمام أبو عمرو البصري (ت154ه) كان من أئمة نحاة البصرة، وكذلك كان

الكسائي (ت189ه) من أئمة نحاة الكوفة.. .

ولا يكاد يخلو دليل أو توجيه إلا وكان لعلم النحو فيه نصيب، والأمثلة على ذلك كثيرة:

منها قول الله تعالى :{ لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ }[النساء]

غيرُ: بالرفع بدل من "القاعدون"، وقيل صفة لها.

(غيرَ) بالنصب: مستثنى منصوب.

ورد في كتاب الحجة لابن خالويه: «يُقرأ بالرفع والنصب، فالحجة لمن رفع أنه جعله وصف (القاعدين) والوصف تابع للموصوف.

والحجة لمن نصب أنه جعل (غير) استثناء بمعنى إلا فأعرها بإعراب الاسم إلا أي: مستثنى منصوب، وخفض بها ما بعدها، ودليله على ذلك أنها نزلت في ابن أم مكتوم الضرير ".

. ومن ذلك قوله تعالى ﴿ ُوَءَايَة لَّهُم ُٱلَّيۡلُ نَسۡلَخ ُ مِنۡه ٱلنَّهَاَر َفَإِذ ِا هُم مُّظۡلَمُون َوُٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَر لَّهَا ۚ ذََٰلِك َ تَقۡدِير ِٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمَ وٱلقَمَرۡ قَدَّرِنََٰه ُ مَنَازل َحَتَّى عَاد كٱلۡعُرۡجُوِن الۡقَدِيم﴾ [يس:37-39].

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (القمرُ) بالرفع،

وقرأ أبو جعفر وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (القمرَ) بالنصب.

فأما قراءة الرفع {القمرُ} على أنه مبتدأ، أو على أنه اسم معطوف على {وآيةٌ ... والقمرُ...}

وأما قراءة النصب: {والقمرَ} عل أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره: واذكروا أو انظروا القمرَ قدرناه منازل. 

وقواها بأشباهها في قوله {فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ في الحج}

وقد تقرر أن التغاير في الإعراب بين المعطوفين لا بد أن يدل على تغيير ما في المعنى، تبيانا لإعجاز القرآن الكريم وكشف ما فيه من خفايا ... 

الفرع الثاني: التوجيه الصرفي للقراءة:

التوجيه الصرفي للقراءات هو بيان الأثر الصرفي الذي ينشأ عن تنوع بنى الكلمات داخل السياق القرآني تبعا

لاختلاف صيغها بين القراء،

وذلك كتصريف الكلمات بين الإفراد والجمع والمذكر والمؤنث، واختلاف صيغها بين الفعل وأنواعه، واسم الفاعل..

مثال ذلك قوله تعالى { لا تَفۡتَروا ْ علَى َِّّالله َكَذِبا فيُسۡحِتَكُم بِعَذَاب}

قرأ حمزة والكسائي وحفص بضم الياء وكسر الحاء في قوله (ويُسحِتكم)، من أسحت الرباعي: على وزن أكرم يُكرم، أسحت يُسحِت.

وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء (فيَسحَتَكم) من سحت الثلاثي، على وزن فعَل يفعَل، قرأ يقرَأ، يفتح لام مضارعه في حروف الحلق كهذه.  

. ومن ذلك قوله تعالى ﴿ ُقَد نَعۡلَم ُ إِنَّهۥَلَيَحۡزُنُك ٱلَّذِي يُقُولون َفإِنَّهُم لاَ يُكَذِّبُونَك َ} الأنعام:33

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم وابن عامر:{يكذّبونك} مشدّدة، وهي شدة النسبة، أي ينسبونك إلى الكذب، مثل قوله :" كفَّرت أو زنَّيت أو خطّات، صدّقت  أو كذّبت ... فلانا أي نسبته لذلك، فهي مثل همزة التعدية للنسبة :" أكفرت فلانا وأكذبته...  

وقرأ نافع والكسائي {يُكذبونك} بالتخفيف، أي لا يجدونك كاذبا..  

. ومن ذلك الاختلاف في نسبة الفعل إلى التذكير أو التأنيث: كما في قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ } [آل عمران].

وردت " فنادته" بالتأنيث، ووردت :"فناداه"، لأن الإسناد إلى الجموع يصح فيه التذكير والتأنيث باتفاق أهل اللغة، فتقول:" قال الصحابة...  

كما قال تعالى :{قال نسوة}،

وتقول: قالت الصحابة {قالت الأعراب}.

قال الإمام مكي بن ​​أبي طالب في توجيهه للقراءات :" قرأ حمزة والكسائي "فناداه" على التذكير، وقرأ الباقي "فنادته" على لفظ التأنيث".

ثم قال:".. وحجة من قرأ بالألف أن ذكر على المعنى، وقد أجمعوا على التذكير في قوله: (وقال نسوة) [يوسف: (30)،

وقد قيل: إنما نادى جبريل وحده، والمعنى: فناداه الملك".

قال:" وحجة من قرأ بالتاء، أنه أُنثَ لتأنيث الجماعة التي بعدها في قول الملائكة، كما قال عز وجل: {قالت الاعراب آمنا} (الحجرات: (١٤)]،

ومثله {ومن يقنت} {ومن تقنت}

. ومن أمثلة ذلك الاختلاف في أبنية المصادر أو وصفها: كقوله تعالى: {شنَآن قوم} بفتح النون وسكونها.

فمن قرأ بالفتح على أنه مصدر على وزن " فعَلان، مثل الغَثَيان... علم على هذا المصدر.

ومن قرأ بالسكون على أنمه وصف " شنْآن قوم"، أي صفتهم، مثل سكْران جوْعان... فهي علم ووصف على هذا الفاعل.

الفرع الثالث: التوجيه البلاغي للقراءة

يقوم هذا النوع من التوجيه على توجيه القراءات من خلال الملمح البلاغي للقراءات، كأسلوب الالتفات والمبالغة والتقديم والتأخير وغيرها.

ذلك أن بعض الصيغ اللغوية تكون أبلغ من الأخرى، ولذلك وجهوا بها القراءات القرآنية وكلها كلام الله عز وجل.

ومن أمثلة ذلك:

قوله تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }[البقرة 143]. وقرئت بغير مد: رؤفٌ.

قال ابن زنجلة في توجيهه :" قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر (شعبة) «إن الله بالناس لرؤف على وزن "رعُفٌ"، وحجتهم أن هذا أبلغ في المدح، كما تقول: رجل حذق ويقظ للمبالغة...  

ومن ذلك أسلوب الالتفات من الغائب إلى المتكلم أو العكس ونحوه: مثل قوله تعالى ﴿ ِّوَقُل ُٱلۡحَمۡد ِلله َِِّّّ سَيُرِّيكُم ۡ ءَايََٰتِّهۦَفَتَعۡرِّفُونَهَا وَمَا رَبُك ّبغَبَٰفِّل ٍ عَمَّا تَعۡمَلُون﴾النمل:93، {تعملون} {يعملون} وغيرها كثير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القسم الثاني: توجيه القراآت بالمباني والنظائر:

هو علم الاحتجاج لأحرف كلام الله تعالى، بمثيلاتها ومشتقاتها من الكلمات القرآنية، ولو اختلفت في المعاني وأوزانها.

فالقسم الأول: يركز على المعاني ومفهوم مراد الله تعالى،

وأما هذا القسم: فيركز على المبنى واللفظ وما يشبهه في الصورة والرسم في مختلف صور القرآن الكريم. 

وأما هنا فأنت تحتج للمبنى لا للمعنى، كما في قوله تعالى {ننشرها} بالراء، وقراءة {ننشزها} بالزاي، فأنت تستدل للأولى من نظيراتها القرآنية لإثبات صورة الكتابة بالراء استدلالا بقوله تعالى {شاء أنشره}، قال ابن عباس: إنشارها إحياءها " واستدل لها بالقراءة الأخرى.

ثم تستدل على قراءة الزاي بقوله {نشوزهن}.

النوع الأول: توجيه القراءة بمثيلاتها المتفرقة من آي القرآن وأحرفه المتواترة:

كما في قوله تعالى { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)}[آل عمران]

قال أبو علي الفارسي: وكلهم قرأ منزلين حفيف الزاي غير ابن عامر فإنه قرأ "منزَّلين" مشدد الزاي.

قال أبو علي: حجة ابن عامر {تنزّل الملائكة والروح فيما بإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 04] وقوله :{ ولو أننا نزَّلنا إليهم الملائكة } [الأنعام: 111].

وحجة من حفف قوله: {وقالوا لولا أُنزِل عليه ملك ولو أنزلْنا مَلَكًا } [الأنعام: 108]

النوع الثاني: توجيه القراءة استنادًا إلى قراءات آحاد الصحابة:

مثال ذلك ما جاء في قوله تعالى: {قال أعلم أن الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة 259]

وردت {أَعلمُ} أي أنا للمتكلم، ووردت بالأمر {اعْلَمْ}

قال ابن زنجلة في توجيه قراءة "أعلم" "قرأ حمزة والكسائي" قال اِعْلم أن الله على كل شيء قدير" جزما على الأمر من الله، وحجتها قراءة ابن مسعود {قيلَ اعْلَمْ أن الله على كل شيء قدير} وكان ابن عباس يقرؤها أيضًا: قال "اعْلَم" ويقول أهو خير أم إبراهيم إذ قيل له: {واعلم أن الله عزيز حكيم) [البقرة: (260]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المبحث الثالث: توجيهات فرشيات سورة النساء مع نظرائها في القرآن الكريم:

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

فمن المأثور: تفسير المعنى وتوجيهه من القرآن وأحرفه، ثم الحديث وكلام السلف.

وأما المعقول: فهو الاجتهاد الموافق للغة والشعر والإعراب ...

توجيهها بالمباني: إما من النظائر أو الأشباه:

فالنظائر: هي الكلمات المتماثلة في الرسم والصورة، مع الاتفاق في أصل المعنى العام، وإمكانية الاختلاف في تفاصيل المعاني المتفرقة في القرآن.

. والأشباه: هي الكلمات المتقاربة في علم التصريف والصرف والأوزان، ولا علاقة لها بالمعاني أصلا.

{ {يا أيها} قرأ العامة بالتحقيق.

 

 

وقرأ حمزة بتحقيق الهمزة وصلاً، ووقف بالتحقيق، والتسهيل مع المد والقصر.  

 

 

 {خلقكم}

      قرأ السوسي بالإدغام الكبير {خلقكُّم} وزاد قالون صلة الميم وصلا:

.وزاد قالون صلة الميم وصلا:

الباقون بالإظهار بلا صلة

 

 

 

 

 

 

      {من نفس واحدة}

      قرأ ابن أبي عبلة « من نفس واحد » بغير هاء

. قرأ العامة بالتاء تأنيثا {واحدة}

 

 

 

{واحد} على مراعاة المعنى، إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام،

{يا بني آدم..}.

"كلكم لآدم"

{واحدة} صفة للنفس المؤنثة بدلالة {منها} بعدها.

. { واحد} .....

 

. {واحدة}:

أ: توجيهها من النظائر:

أ: مع اتحاد المعنى: {أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأنعام 98] {خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}[الأعراف189][الزمر 6]

[: مع الاختلاف في المعنى: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان 28].

 ب: توجيهها من الأشباه: واحدة: مؤنث كما في: {خلق منها زوجها} {يا أيتها النفس المطمئنة} {النفس لأمارة} {ونفس وما سواها..} {نفس إلا وسعها} ....

{تساءلون 2}

قرأ عاصم وحمزة بتخفيف السين

مثل {يصّالحا} {يصلحا 128}

وقرأ ابن مسعود {تسْألون به}

 

الباقون بالتشديد {تسَّاءلون}

 

{تسّاءلون} بالشدة من الأصل تتساءلون، ثم أدغمنا

التخفيف: حذف تاء الافتعال للتخفيف، وهي تاء "تتفاعلون" تدغم في لغة وتحذف في أخرى لاجتماع حروف متقاربة ، قال أبو علي : وإذا اجتمعت المتقاربة خففت بالحذف والإدغام والإبدال كما قالوا : طست فأبدلوا من السين الواحدة تاء ، إذ الأصل طس.

الشدة: مثالها من:

أ. النظائر: {تظّاهرون}. {ادّارأتم} {يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ}

 

. بالتخفيف: مثالها من:

المباني: {عم يتساءلون} {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ}

 

 

 

 

 

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني:

إما من النظائر (نفس الرسم)

أو الأشباه (الصّرف والتصريف):

{والاَرحامَ }

قرأ حمزة وخلف وخلاد بالخفض.

. وقرأ عبد الله بن يزيد والأرحامُ بالرفع.

 

 

. قرأ ورش بالنصب مع النقل.

والباقون بالنصب مع التحقيق.

 

. بالنصب: وذلك بإضمار فعل محذوف، عطفا على "واتقوا اللهَ: واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها.

. من معانيها القسم بالله كقوله {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} {أَقْسَمُوا بِاللَّهِ} {فَيُقْسِمَانِ بِاللَهِ} {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ} {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} وفي الحديث:" فليحلف بالله".

مع تكاثر الأحاديث في سؤال الصحابةِ النبيََ عليه السلام بالله " وإني أسألك بالله بما بعثك إلينا ربنا؟ "

. بالرفع: وذلك على الابتداء، فيكون الخبر مقدرا تقديره : والأرحام ُمتقاةٌ أو أهلٌ أن توصل.

. بالخفض: والمعنى: قول الشخص: "أسألك بالله وبالرحمِ ".

وهذا الآية من باب عطف الظاهر على الضمير المجرور المتصل، وهو جائز لغة، ثابت قرآنا، ولا معنى لمن منعه فيهما،

وتقدير الآية: تساءلون به وبالأرحام،  وذلك كقولك: أناشدك أو أسألك بالله وبالرحم ".

قاله ابن عباس وإبراهيم والحسن،

  .وليس هذا من باب الدعاء ولا القسم،

وعليه يجوز أن تتوسط إلى الله بالعمل الصالح والذي أشرفه: صلة الرحم.

ويجوز أن تتوسط إلى إنسان سائلا إياه بالرحم، فتقول : أناشدك برحِمك ... أو بالرحم التي بيننا.. ونحو ذلك.

فيصح عطف الضمير أيا كان منصوبا أو مجرورا على الاسم الظاهر، قال شاعر:

" فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ "

وحديث علي"  كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ " فعطف الضمير على الاسم المرفوع فكذلك المجرور.

. بالنصب: {والأرحامَ}.

. من الأشباه: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَـِــكُمْ}

. وبالكسر: من نظائرها:

حديث علي مرفوعا:" .. ثم قال: سألتك بالله وبالرحم إلا أخذتها ".

. من أشباهها: جواز عطف الضمير المجرور على الاسم المجرور، لكن بإعادة حرف الجر كقوله:  { مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ [الأنعام: 64]

{ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [المؤمنون: 22  

{ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ [فصلت: 11

ثم يجوز حذف تكرار حرف الجر {به والأرحامِ}

. استئناسا بقوله {وامسحوا برؤوسكم وأرجلَِـكم} وإن كانت هنا من عطف الظاهر على الظاهر لا الضمير.

. وكذلك أجازوا عطف الظاهر على الضمير المنصوب {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا} أي أعيذ مريمَ وذريتَها بالله.

" رأيتكَ وعليًّا ".

. ومن نظائرها في الرفع: عطف الضمير المرفوع على الاسم الظاهر: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونـَهَا وَ[مَنْ صَلَحَ] } الجملة معطوفة على الضمير المستتر يمعنى: يدخلون هم، وأبناؤُهم.  

ومن نظائر عطف الضمير المنفصل على الظاهر: {  لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ  }

. ومن هذه الأدلة نعلم جواز عطف الضمير على الاسم الظاهر، نصبا وروفعا وجرا كما قال الشاعر:

 " فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ والأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ

 

 

فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}

قرأ أبو جعفر بالرفع، مع فتح هاء التأنيث وقفا.

قرأ الباقون بالنصب.

. بالنصب: مفعول به لفعل محذوف تقديره: [انكحوا] واحدةً.

. بالرفع: [واحدةٌ] مبتدأ لخبر مقدر " "كافية أو مجزية". أي واحدة كافيةٌ.

 

 

. نظائر النصب مع الاختلاف في المعنى: {فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} {لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}

. ومن نظائر الرفع: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ }[القمر50] فهي: خبر ل: أمرُ. وقوله:{وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}

{الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا }

قرأ نافع وابن عامر {قِيَما}.

الباقون: {قيَاما}

وقرئت {قَواما} على الأصل،

وإنما صارت ياء للكسر قبلها مثل (صوم صيام)

مثل : عِوذا، عياذا.

 

لوذا، لواذا

 

.. من نظائر {قياما} ولو اختلف المعنى:

{يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا} {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا} {قِيَامًا لِلنَّاسِ}

. من نظائر {قِيما} {دِينًا قِيَمًا} {الدِّينُ الْقَيِّمُ} .

. من نظائر {قواما}: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}.

ومن الأشباه: { يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا}

{سَيُصْلَوْنَ سعيرا}(10) قرأ ابن عامر وشعبة بالضم

{يُصلون}

 

 

قرأ الباقون "{سيَصْلوْن}

 بالفتح.

وغلظ ورش اللام.

 

بالفتح: أي هم من سيتسخنون في النار طوعا أو كرها.

بالضم: مبني لما لم يسم فاعله، أي أن الملائكة ستصليهم نارا.

 

{يَصلون}: 

من نظائرها: {تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً }

{وَيَصْلَى سَعِيرًا} {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ} {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ}

. ومن أشباهها {يَدخُلون جهنم}.

. وبالصم: {يًصلون} {نُصليهم نارا}

ومن الأشباه {وسيق الذين كفروا}

{اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا .. فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) }[الصافات]

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني:

إما من النظائر (نفس الرسم)

أو الأشباه (الصّرف والتصريف):

{وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً 11}

قرأ نافع وأبو جعفر بالرفع

مثل: {إِنْ تَكُ حَسَنَةً 40}

. قرأ الباقون بالنصب.

 

. بالنصب: خبر كان الناقصة.

. بالرقع: كان التامة اللازمة المكتفية بفاعلها.. بمعنى: وجد حصل

. توجيه النصب: كان الناقصة:

من النظائر { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}[البقرة 213].

. من الأشباه: (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) {كان الله قويا..}

. توجيه الرفع: كان التامة:

من الأشباه: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} بمعنى "وإن وجد ذو عسرة"،

{لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً}

{وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا 14 }

قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر"نُدخله"

الباقون: {يُدخله}

 

الياء: ردا إلى السياق السابق بضمير الغائب.

النون: الانتقال للكلام عن نفسه بنون العظمة.

 

ي: من نظائر الياء: {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي} {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ} {نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا }

. من نظائر النون: { سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ... وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا} {نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}  {لندخلنهم}

كذلك {ندخله} {نعذّب} {نُكفر}

....

وقرئت بياء الغيبة {يُدخله} {يعذب} {يكفر}

 

كل الضمائر على هذا المنوال ....

 

 

 

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني: إما من النظائر (نفس الرسم) أو الأشباه (الصّرف):

{أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا 19}

قرأ حمزة وخلف كُرها

 

قرأ الباقون " كَرها"

 

بالفتح {كَرها} من الإكراه وهو الاضطرار والإجبار، ومنه (الضَّعف)

بالضم: {كُرها} من الكراهية، بمعنى أنهن مبغضات للحمل بسبب مشقته،

ومنه (الضُّعف)

 

من نظائر الفتح:

{وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} {أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا}.

. ومن الأشباه: {ولا تكرهوا..} {لا إكراه } {وما أكرهتنا}

. ومن نظائر الضم: {كُره}

{وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا}.

. ومن الأشباه: {وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}

{بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ }

قرأ ابن كثير وشعبة بفتح الباء

 

 

الباقون بالكسر:

 

قال ابن فارس:" الباء والياء والنون أصلٌ واحد، وهو بُعْدُ الشّيء وانكشافُه... فالبَيْن الفِراق؛ يقال بَان يَبِينُ بَيْنا وبَيْنُونة.. بانَ الشَّيءُ وأبَانَ إذا اتّضَحَ وانْكشَفَ. وفلانٌ أبْيَنُ مِنْ فلانٍ؛ أي أوضَحُ كلاماً منه.

. {مبيِّنة} بالكسر: اسم فاعل لفعل لازم "بان يَــبِين بيْـنــا" أو تبين: تبين الحق، وتبينت الفاحشة، فهي صفة متجددة متبيِّنة في نفسها.

تبينت وبانت الفاحشة: لازم فهي بيِّنة أي في نفسها.

بأن يشهد الزاني على نفسه، أو تكون الفاحشة هي المبينة لحال صاحبها بالزنا... كالحمل.. 

 (بان الحقُّ)

. بالنصب: من بَّين يُبَيِّن المتعدي، مبيَّن، على وزن المفعول، فالله من بينها عن طريق الشهود مثلا.

تقول: بيّن فلانٌ الفاحشةَ، ولها نفس معنى بان عموما، لكن يفترقان في أن الفعل اللازم يصير متعديا إما بهمزة التعدية أو الشدة.

مثل: ظهر الحق، لازم

أظهر الله الحق متعدي.

قال الألوسي:" على صيغة الفاعل من بين اللازم بمعنى تبين أو المتعدي ، والمفعول محذوف أي مبينة حال صاحبها . وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم { مُّبَيّنَةٍ } على صيغة المفعول ، وعن ابن عباس أنه قرأ { مُّبَيّنَةٍ } على صيغة الفاعل من أبان اللازم بمعنى تبين أو المتعدي".

. من النظائر لهما:

{ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}[الأحزاب30].

{ لَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق].

. ومن الأشباه للكسر: تبين اللازم:

من { تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ}{ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ}{آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي في نفسها. {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ}

{إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ} {أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ } {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ}

. ومن أشباه " بيّنَ المتعدي:

{قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ} البقرة 118]. { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} {بيناه للناس}

الربيع بْن سليمان. قَالَ:

كَانَ للشافعي صديق، فبلغه عنه شيء فعاتبه بأبيات أرسلها إليه:

اذهب فإنك من ودادي طالق ... لا طالق مني طلاق البين

 

{وَأحلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ 24}

قرأ حفص والكسائي وخلف بضم الهمز وكسر الحاء.

قرأ الباقون بالفتح. {وأحَلّ}

 

الضم: لما لم يسم فاعله، للعلم به وهو المشرع الله،

وهذا على طريقة {حُرّمت عليكم... }

. ومن قرأ بالفتح: فلإظهاره {حرّم ربي}

. من النظائر لقراءة المعلوم: أحَل {أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}

. ومن الأشباه لها:{إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ}

. وأما الضم:

فمن نظائرها: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ } {مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ}

 

 

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني: إما من النظائر (نفس الرسم) أو الأشباه (الصّرف):

 

{والمحصَنات من النساء} قرأ العامة بفتح الصاد في النساء،

 

 

 

 

 

وكذلك {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ }

 

 

 

فأما الأولى: {والمحصَنات من النساء} بالفتح على صيغة المفعول: وهي المرأة المتزوجة اتفاقا بين القراء والفقهاء واللغويين،

بمعنى أنه قد أحصنها غيرها، إما زوجها الذي هو ساتر لها متحمل لمسؤوليتها، أو وليها الذي زوجها بزوجها، فهذا المحصَنه: تحرم خطبتها أو إنكاحها أو حتى التخبيب عليها حتى تبين من زوجها. ففيه تحريم المرأة المتزوجة،

وفيه من الفقه بفتح الصاد: بيان أن المرأة تُزوج بولي.  

. وأما الثانية: {وَمَنْ .. أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ ..} هي الحرة البكر اتفاقا، والمعنى: من لم يستطع طولا: أي بماله نكاح حرة، أو بشغفه بالأمة، فيجوز له أن ينكح أمة بشروط: عدم قدرته، وإذن سيدها، وأن تكون مؤمنة على خلاف في الكتابية، ثم ذكر شروطا أخرى فقال:  

{ محصَِناتٍ غير مسافحات...}

قرأ الكسائي بكسر الصاد.

. قرأ الباقون بفتحها.

 

. { محصَِناتٍ} مثل "مبيِّنة، ومبيَّنة، وهي حال

.أما قراءة نصب الصاد: فعلى صيغة المفعول، فهي التي أحصنها غيرها، وهو هنا سيدها الذي يؤدبها ويمنعها والله أعلم.  

. وأما بالكسر: بصيغة الفاعل فهي الجارية المحصِنة لنفسها بالعفة والحياء، وهذا هو شرط الزواج بالإماء أيضا.

. من نظائر النصب:

. { مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ ... فَإِذَا أُحْصِنَّ 25} النساء]

ذكر الطبري أنها فراءتنا تتناسبان من فعل غيرهن... 

. من أشباه كسر الصاد: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ ... فإذا أَحصَنَّ}

 

{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة ... نصف ما ..25}

قرأ شعبة وحمزة والكسائي بالفتح {أَحْصنَّ} تبعا {أَتَيــْنَ}

 

.

 

الباقون بالضم وكسر الصاد: {أُحصِنَّ}

 

 

 

 

 

 

أُحصِن: بالضم من فعل غيرهن بهن وهو السيد الذي يزوج أمته لبعلها.  

وهي تناسب وقراءةَ الفتح قبلها في {محصَنَات}. من فعل غيرهن بهن.

. {أَحصَنَّ} بالفتح، أي من فعلهن، فهي تناسب قراءة {محصِنات} بكسر الصاد.  

فتكون: أَحصَنّ: بمعنى أسلمن، وقد تكون إشارة لمذهب أبي حنيفة المبيح لتجويز المرأة نفسها، وإن كانت هنا في الأمة إشارة، فللحرة أولوية والله اعلم.

{فإذا أحصنَّ} فهذا شرط زائد عند الجمهور، لأن الأمَة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، متزوجة أو بكرا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ؟

واستدلوا بما خرج مسلم عن علي قال: يا أيها الناس، أقيموا على أرقَّائكم الحد من أحْصَنَ منهم ومن لم يُحْصَن، فَإنَّ أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زَنَتْ فأمرني أن أجلدها..

2. ويرى الظاهرية وغيرهم أنه شرط مؤثر: ذلك أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديبا، فإذا تزوجت نُصف عليها الحد.

ثم اختلفوا في الإحصان هل هو الزواج أم الإسلام أم معا.

وقد وردت الآية باشتراطهما معا في قراءتين:

{أُحصن} أي تزوجن، أو زوجهن سيدهن..

مع قراءة الفتح {أَحصَنَّ} أي أسلمن،

وهو قول ابن عباس وأبو عبيد والظاهرية، بدليل مفهوم الشرط "أحصن"، وهو مقدم على عموم حديث عليّ، وبالتالي لا حد على البكر، ولا على الكافرة جمعا بين القراءتين، وهو الأولى.  

. {أُحصنّ} بالمجهول:

بالأشباه: على طريقة {حُييتم} {محصَنات} في الأشباه.

. قراءة الفتح مع اختلاف المعنى: من نظائرها {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أي عفت.

. ومن الأشباه بتفسير السنة ما ورد عن علي قال النبي عليه السلام: "إحصانها إسلامها وعفافها".

وعن ابن عباس [مرفوعا]: "ليس على أمة حد حتى تـُحْصن أو حتى تزوج، فإذا أحصنت بزوج، فعليها نصف ما على المحصنات". اختلف في رفعه ووقفه.

وفيه اشتراط الإسلام والزواج معا، تبعا للقراءتين معا، والإعمال أولى من الإهمال.

 

{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عن تراض 29}

قرأ حمزة وعاصم والكسائي بالنصب {تجارةً}

الباقون بالضم {تجارةٌ}

 

النصب {تجارةً} خبر كان الناقصة، واسمها مضمر تقديره" إلا أن تكون (الأموالُ) تجارةً.

. بالضم: إما تامة، أو " تجارة ٌ" اسمها، خبرها شبه الجملة {عن تراض} والله اعلم.

 

. توجيهها كما مضى في قوله {وإن كانت واحدةً }ٌ

من نظائر النصب: قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حاضرةً}

. ومن الأشباه للضم: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُم.. وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ}

..

 

 

 

 

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني: إما من النظائر (نفس الرسم) أو الأشباه (الصّرف  زالتصريف):

{وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا 31} مضى ما يتعلق ب "ندخلكم"

وأما {مُـَــدخلا} قرأ نافع وأبو جعفر بضم الميم.

الباقون بالفتح

{مَدخلا}

بالفتح "مَدْخَل" تعني موضع الدخول (من أبواب الجنة) أو الدخول بحد ذاته، 

"مُدْخَل" تشير إلى من قام بالإدخال أو الشيء المُدخَل (اسم مفعول). 

مثل التفريق بين اسم المرة واسم الهيأة.

"جلسن جَلسةً" للمرة.

"جلسن جِلسة الاستراحة" للهيأة.

توجيه {مَدخلا} بالنصب:  

. من الأشباه: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ } {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} {وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} .

. توجيه الضم:  

من النظائر قوله {رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}.

{وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ 33}

قرأ عاصم وحمزة والكسائي (عَقَدت) تخفيفا بلا مد. وقرأ حمزة في رواية على بن كبشة عنه « عقّدت » مشددة القاف 

. الباقون بالمد {عَاقدت}

مثل: {قاتل} {قتل}

 

.قرأ بعضهم بتسهيل {فآتوهم}

وقرأ ورش {فآتوهم}

 

{عاقدت} مفاعلة للمشاركة والمحالفة، أي ممن تحالفتم معهم منذ الجاهلية أو تآخيتم في الإسلام,

وقال قبله {ولكل جعلنا موالي مما...} والمولى: لفظ يشترك فيه العصبة والقرابة، والصديق والحليف، والمعتَق والمعتِق، والوراث والعبد،  كما قال ابن سيده، فكل إنسان يخلفه هؤلاء ميراثا أو نصيبا أو وصية.

وقد قيل: نسخ ذلك بآية المواريث {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض}.

والصواب: أن وجوب الميراث هو من نسخ، وبقي إيتاء نصيب النصرة والمعاقدة على الندب، أو الوصية للحلفاء.

عن ابن عباس قال: { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول: ترثني وأرثك وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ حِلْف كان في الجاهلية أو عَقْد أدْرَكَه الإسلامُ، فلا يَزِيدُه الإسلامُ إلا شدَّةً، ولا عَقْدٌ ولا حِلْفٌ في الإسلامِ ". وهذا من نفي الوحدة لعقد وحلف مخصوص، وهو الحلف على الميراث، فيبقى غيره من وصية ونحوها.

. {عقدت} تخفيفا بلا مد، من فاعل واحد، فيكون مفعوله محذوف تقديره : عقدت إيمانكم حلفَهم أو ذمَّتَهم.

أو تحمل على قراءة الشد معا "عقَّدت"، فيكون المراد ممن حلفتم أن تعطوهم نصيبا، فالتزموا بذلك.

أو العكس: بأن يحلف المسلم أن لا يعطي وريثا له من المال، فيحنث ويعطيه لزاما، كما حدث بين أبي بكر لما حلف أن يمنع ابنه عبد الرحمن،

وكذلك منع مسطح لما قذف ابنته ... 

. من الأشباه لقراءة الاتراك {عاقدت} قوله :{ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ } فهي مشاركة بين عدة أطراف.

{أو يعفو الذي بيده عقد النكاح} وهو الولي، أيا كان، والسيد للأمة، أو الزوج بأن يتنازل ويضيف النصف.

 

 

.من نظائر قراءة الشد {بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}، وهي نفسها من الأشباه لقراءة التخفيف {عقَدت} كما بينا.  

 

{لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ 42}

قرأ نافع وابن عامر « تسّوّى » بتشديد السين والواو

قراءة حمزة والكسائي لـ "تَسَوّى" بتخفيف السين وتشديد الواو (تَسَوَّى) 

. وقرئت {تُسَوى} مبني للمجهول

 

{تَسَّوَّى} أصلها تتسوى، بمعنى تنشق بهم الأرض ثم تتسوى من التسوية، فأدغمت التاء في السين مثل {أصَّدَق} {فاطَلع}

{تَسَوَّى} بالتخفيف على حذف التاء، مثلها في المعنى.

{تُسَوى} مبني للمجهول، وهو أي شخص يسوِّي بهم الأرض، وكل هذا من شدة الندم.

 

. من الأشباه لقراءة المعلوم :

{نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} {خلق فسَوى} {يمشي سَويّا} {إِذَا سَوَّيْتُهُ}...

 

 

 

. من الأشباه قد تكون أقرب آية تقوي معنى هذه القراءة هي قول الكافر {يا ليتني كنت ترابا}.  

 

 

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني: إما من النظائر (نفس الرسم) أو الأشباه (الصّرف  والتصريف):

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

{أو لامستم النساء 43} والمائدة [6]

قرأ حمزة والكسائي وخلف: {لمستم} بلا مد.

قرأ الباقون بالمد {لامستم}.

 

{لمستم} وزن فعلتم، من فاعل واحد يتعمد اللمس، فمن تعمد اللمس هو المتوضئ، ومن لم يتعمد فلا وضوء عليه.

. {لامستم} مفاعلة بين الاثنين للاشتراك، وهو المداعبة بينهما معا، فإن كانت بلا إنزال ففيها الوضوء، وإن كانت بإيلاج أو إنزال ففيها الغسل أو التيمم...

 

 

. من نظائر {لمستم} قوله :{لمسنا السماء}، {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ}.

. {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} المائدة .

من نظائرها في السنة، قول ابن عمر:" قال: قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء".

. ملاحظة: هل نقوي القراءة بما ورد في لفظ " المس"،

إن المتأمل في القرآن يدرك أن المسّ غالبا ما يُستعمل في الأذى والضر والممنوع... كقوله تعالى {مسّني الضر} الكبر والسوء، وقوله: {مسني الشيطان} {لن تمسنا النار} {لمسَّكم .. عذاب} {لا يمسّنا فيها نصب} {يمسسكم قرح} ...

. لكن في قول مريم {ولم يمْسَسْني بشر} فلا شك أنه قد لمسها أبوها أو أخوها أو خالها زكريا من محارمها، فالمراد، لم يمسسني بشر بنية التشهي الحرام ولذلك قالت: لم يمسسني بشر، ولم تقل: لم يلمسني..  

وأما في قوله{ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} فهو من باب المشاكلة اللفظية، كقوله {يمكرون ويمكر الله} {يخادعون الله وهو خادعهم}، وليس الله بمخادع.

{لا يمسه إلا المطهرون} استثناء منقطع، بمعنى: لا يمس القرآن بسوء أحد، لكن المطهرون يلمسونه.

{مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ 66}

قراها ابن عامر بالنصب {قليلاً}

الباقون{قليلٌ} رفعا

 

النصب: مستثنى منصوب أو بدل، والتقدير: ما فعلوا الفعلَ إلا قليلا.

الرفع: بدل جزء من {فعلـوه}

. توجيه النصب: بالنظائر {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا} {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}

{وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}

. بالرفع: {فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}{وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ}

{لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ }

قرأ {يكن} بالتذكير

الباقون بالتأنيث

 

بالياء: للغائب.

بالتاء: للمخاطب المتخلف.

وقد مر مثله.

. نظائر {يكن} {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ }

. نظائر {يكن}: {لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ } {لم يكن له} ...

 

      القراءة  1 وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني: إما من النظائر (نفس الرسم) أو الأشباه (الصّرف):

 

{ولا تُظلمون 77}

{ولا يُظلمون}

مثل ما سبق في التفريق في التصريف بين الانتقال من الغائب إلى الحاضر، والدمع والمفرد، والتذكير والتأنيث...

 

{فسوف يؤتيه أجرا  74} 114

{فسوف نؤتيه}

 

مثلها ...

 

. نظائر {يؤتي}: {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ }آل عمران {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ}

. نظائر النون: {أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} {مَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} آل عمران

 

 

 

 

 

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني: إما من النظائر (نفس الرسم) أو الأشباه (الصّرف):

 

{إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا 94} وفي الحجرات.

 

. قرأ حمزة والكسائي " فتثبتوا"

. قرأ الباقون " فتبينوا "

 

التبين هو النظر.

التثبت هو التروي 

 . نظائر {فتبينوا}:  {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا} { بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا}

.

 

 

{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}.

. نافع وابن عامر والكسائي بالفتح {غيرَ}

. قرأ الباقون: بالضم.

 

النصب: اسم منصوب على الاستثناء.

الضم: صفة أو بدل من "القاعدون"

غيرَ: من نظائر النصب: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} {فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ}.

. من نظائر الضم: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ}{مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}

{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ 94}

نافع وابن عامر وحمزة وخلف {السَّلم}

 

الباقون {السلام}.

 

السلَم: مبادرة من واحد: وهو استسلام العدو وانقياده.

السلام: بألف التشارك، وهو ترك القتال باتفاق من الفريقين {إن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم}

أو التسليم: إلقاء السلام كما مر رجل من سليم فسلم عليهم فقتلوه .. فنزلت الآية. 

السلم: من نظائرها: {فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ}{وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ} {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ } {فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ}

السلام: {يهدي به.. سُبُلَ السَّلَامِ} {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ} {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ}

 

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني: إما من النظائر (نفس الرسم) أو الأشباه (الصّرف):

 

{فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}

{يُدخَلون} قرأها بالضم كل من ابن كثير وأبو عمرو وشعبة وروح.  

قرأ الباقي {يَدخُلون} إضافة الفعل إلى الداخل المعلوم، فهم الداخلون بأمر الله

 

{يُدخَلون} مبني لما لم يسم فاعله، وهو الله تعالى بفضله

ولأنه تابع لقوله :{لا يُظلِمون} وهذا من التوجيه بالسياق..

{يَدخلون} أي بما قدموا من عمل تسببوا فيه، كما في قوله: { أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)} فجمعت الآية بقراءتين بين العمل، وفضل الله.

{يُدخَلون} من أشباهها: {يُحَلّون} {يُرزَقون} {لا يُظلمون} {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ}

{يَدخُلون}: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى} {ادخلوا الجنة} {ادخُلوها}

وقوله جمعا بين فضل الله وتقديم السبب: { أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)}

{فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا }

قرأ ابن كثير وابن عامر ونافع {يصًَالحا} بالشد، تخفيفا من " يتصالحا .

قرأ الباقون {يُصلحا} بالمضارع.

 

{يُصلحا} من أصلح إصلاحا من فاعل واحد، وهو المصلح المبادر للصلح، وهو أفضلهما، كما في الحديث: خيرهما البادئ بالسلام".

. {يصّالحا} يتشاركا ويبادرا معا إلى الصلح بينهما.

 

.{يُصْلِحا}: من أشباهها {وأصلحوا ذات} {من أمر... أو إصلاح بين الناس} {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ}.

ــ {يصالحا}: مثل {تظاهرا} {أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}

{ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا } قرأ أبي {أولى بهم}

قرأ العامة بالمثنى: أولى بهما.

{بهما} أي المشهود عليه، قد يكون  غنياً فيراعى لغناه،

وإن يكن فقيراً فلا يراعى ولا يؤبه به.

قال ابن عطية:" والغني والفقير اسما جنس والمشهود عليه كذلك ، فلذلك ثنى الضمير في قوله { بهما } "

 

{وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا }

تلوُوا

{تَلُوا}:

 

{تلووا}: من لوى، وهو ليّ الرأس إعراضا، بأن يلوي القاضي أو غيره رأسَه عن الفقير فلا يسمع قضيته.

أو من لـــيّ الكلام: بأن يكون أحدهما أفصح بحجته من الآخر حتى يبطل الحق أو يأخذ الباطل كما في الحديث.

. {تلُوا}: قيل من الولاية، أي تلو أمور الناس أو تتركوها فالله عالم بحالكم.

وقيل: تلوا تقتربوا.

وقيل بمعنى تلووا، حذفوا الهمز تخفيفا

{تلووا}:

من نظائرها {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ}

 

 

. {تلوا} من الولاية، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ }.

. {تلوا} بمعنى تقتربوا، ومنه {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ} أي يقربونكم.

 

 

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني: إما من النظائر (نفس الرسم) أو الأشباه (الصّرف):

 

{وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} [136]

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالضم. {نُزّل}

 

وقرأ الباقي {نَزَّل} للمعلوم

 

بالشد للمعلوم {نزَّل} مبالغة في تحقيق المعنى، لتأكيده وتكرير تتابعه من لدن الله تعالى.

بالضم { نـُـزِّل} لما لم يُسم فاعله، وهو معلوم، وهو أنه منزل بواسطة جبريل..

من نظائر النصب: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ} [الأعراف 196] {الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ 1}

. من نظائر الضم {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ} [الحجر 6]

{والكتاب الذي أُنْزِل} 136

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالضم {أُنزل}.

قرأ الباقي بالفتح: {أَنزَل}

 

كما سبق، فمنه الفعل المعلوم وهو الله،  

وما لم يُسم للعلم به وهو جبريل.

 

نظائر الفتح {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}[البقرة 90] {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة 164]

. وبالضم {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [البقرة 4]

{وقد نَزَل عليكم 140}

قرأ يعقوب وعاصم بالفتح {نَزّل}

الباقون بالضم {نُزّل}

 

كما سبق

 

كما سبق

 

 

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني: إما من النظائر (نفس الرسم) أو الأشباه (الصّرف):

 

{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [145]

قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف بإسكان الراء {درْكا}

الباقون بفتح الراء {دَرَكا}

 

الدرْك: هو المنحدر.

الدَّرَكَ عكس الدَرج، فهو في النزول. 

 

 يصح أن يكون الدرَك من الإدراك: {لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى 77} طه. 

 

 

 

{وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)} [النساء] [والإسراء 55]

قرأ حمزة وخلف بضم {زُبورا}

قرأ الباقي بالنصب {زَبورا}

 

 

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ}

 

 

 

 

 

 

 

 


 

      القراءة 1، وقراءها

القراءة 2 وقراءها

توجيهها بالمعاني: (وهي من تفسير القرآن بالمأثور أو الرأي والمعقول:

توجيهها بالمباني: إما من النظائر (نفس الرسم) أو الأشباه (الصّرف):

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                         وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

 

تعليقات

https://draft.blogger.com/blog/posts/3654001511298507959

البرهان في استحباب القراءة الجماعية للقرآن ، تأليف: الطاهر زياني

الشهب في استحباب حمل العصا في الخطب "، تأليف الطاهر زياني

النُّبذة، في أحكام العصائر والأنبذة "، تأليف: الطاهر زياني

البراهين الجِياد، على استحباب التكبير الجماعي أيام العشر والأعياد الطاهر زياني

الفرق بين الندبة المشروعة، والاستغاثة الممنوعة: الطاهر زياني

فتح المجيد في أدلة أقسام التوحيد كتابة: الطاهر زياني

المنار، في زكاة الفطر والمال والدينار، والزروع والثمار، وحسابها بالتدقيق في العصر الحديث الكاتب: الطاهر زياني

جمع الأخبار، في بقاء الجنة وزوال النار

أحكام الأضحية، بالجذعان والماشية . تأليف: الطاهر زياني